الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٤٦ - تحليل غنائه
قال لي محمد بن الحسن بن مصعب، و كان بصيرا بالغناء و النّغم: لحن إسحاق في «تشكّى الكميت الجري» أحسن من لحن ابن سريج، و لحنه في «يوم تبدى لنا قتيلة» أحسن من لحن معبد، و ذلك من أجود صنعة معبد.
قال: فأخبرت إسحاق بقوله، فقال: قد و اللّه أخذت بزمامي راحلتيهما و زعزعتهما [١] و أنخت بهما فما بلغتهما.
فأخبرت بذلك محمد بن الحسن؛ فقال: هو و اللّه يعلم أنه برّز عليهما، و لكنه لا يدع تعصّبه للقدماء.
و أخبرني جحظة قال حدّثني حمّاد بن إسحاق:
أنّ رجلا سأل أباه فقال له: إنّ الناس قد كثّروا في صوتيك: «تشكّى الكميت الجري» و «يوم تبدى لنا قتيلة»، و قالوا: إنهما أجود من لحني ابن سريج و معبد؛ قال أبي: ويحك! رميت في هذين الصوتين بمعبد و ابن سريج و هما هما، فقربت و وقع القياس بيني و بينهما، و على ذلك فقد و اللّه أخذت بزمامي راحلتيهما و انتصفت منهما.
تحليل غنائه:
قرأت في بعض الكتب أن محمد بن الحسن- أظنّه ابن مصعب- ذكر إسحاق الموصليّ فقال:
كانت صنعته محكمة الأصول، و نغمته عجيبة الترتيب، و فسمته معدّلة الأوزان، و كان يتصرّف في جميع بسط الإيقاعات، فأيّ بساط منها أراد أن يتغنّى فيه صوتا قصد أقوى صوت جاء في ذلك البساط لحذّاق القدماء فعارضه:
و قد كان يذهب مذهب الأوائل، و يسلك سبيلهم، و يقتحم طرقهم؛ فيبني على الرّسم فيصنعه،/ و يحتذى على المثال فيحكيه [٢]، فتأتي صنعته قويّة وثيقة يجمع فيها حالتين: القوّة في الطّبع و سهولة المسلك، و خنثا بين كثرة النّغم و ترتيبها في الصّياح و الإسجاح؛ فهي بصنعة الأوائل أشبه منها بصنعة المتوسّطين من الطبقات؛ فأما المتأخرون فأحسن أحوالهم أن يرووها فيردّوها. و كان حسن الطبع في صياحه، حسن التلطّف، لتنزيله [٣] من الصّياح إلى الإسجاح على ترتيب بنغم يشاكله، حتّى تعتدل و تتّزن أعجاز الشعر في القسمة بصدوره. و كذلك أصواته كلّها، و أكثرها يبتدئ الصوت فيصيح فيه- و ذلك مذهبه في جلّ غنائه؛ حتى كان كثير من المغنّين يلقّبونه الملسوع؛ لأنه يبدأ بالصّياح في أحسن نغمة فتح بها أحد فاه- ثم يردّ نغمته فيرجّحها ترجيحا و ينزّلها تنزيلا حتى يحطّها من تلك الشدّة إلى ما يوازيها من اللين، ثم يعود فيفعل مثل ذلك، فيخرج من شدّة إلى لين و من لين إلى شدّة؛ و هذا أشدّ ما يأتي في الغناء و أعزّ ما يعرف من الصّنعة. قال يحيى بن عليّ بن يحيى و قد ذكر إسحاق في صدر كتابه الذي ألّف في أخباره [و زاد في بعض ما صنعه] [٤]: «و كان إسحاق أعلم أهل زمانه بالغناء، و أنفذهم في جميع فنونه، و أضربهم بالعود و بأكثر آلات الغناء، و أجودهم صنعة، و قد تشبّه بالقديم و زاد في بعض ما صنعه عليه، و عارض ابن سريج و معبدا فانتصف منهما؛ و كان إبراهيم بن المهديّ ينازعه في هذه الصناعة و لم يبلغه فيها، و لم يكن بعد إسحاق مثله».
[١] زعزعهما: ساقهما سوقا عنيفا.
[٢] كذا في أ، ء، م. و في سائر الأصول: «فيحكمه».
[٣] لعله «لتنزله». و التنزل: النزول في مهلة.
[٤] كذا في أكثر الأصول. و في س: «و زاد في بعض ما صنعوا». على أنه غير واضح وجه ارتباط هذه العبارة بما يتصل بها، فلعلها زيدت سهوا من النساخ.