الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٧٨ - هو الذي صحح أجناس الغناء بطبعه من غير أن يطلع على كتب القدماء
سعد، و أبي معاوية [١] الضّرير، و روح [٢] بن عبادة، و غيرهم من شيوخ العراق و الحجاز. و كان مع كراهته الغناء أضنّ خلق اللّه و أشدّهم بخلا به على كل أحد حتى على جواريه و غلمانه و من يأخذ عنه منتسبا إليه متعصّبا له فضلا عن غيرهم.
هو الذي صحح أجناس الغناء بطبعه من غير أن يطلع على كتب القدماء:
و هو الذي صحّح أجناس الغناء و طرائقه و ميّزه تمييزا لم يقدر عليه أحد قبله و لا تعلّق به أحد بعده، و لم يكن قديما مميزا على هذا الجنس، إنما كان يقال الثقيل، و ثقيل الثقيل، و الخفيف، و خفيف الخفيف. و هذا عمرو بن بانة، و هو من تلاميذه، يقول في كتابه: الرمل الأوّل، و الرمل الثاني؛ ثم لا يزيد في ذكر الأصابع على الوسطى و البنصر، و لا يعرف المجاري التي ذكرها إسحاق في كتابه، مثل ما ميّز الأجناس، فجعل الثقيل الأوّل أصنافا، فبدأ فيه بإطلاق الوتر في مجرى البنصر، ثم تلاه بما كان منه بالبنصر في مجراها، ثم بما كان بالسبّابة في مجرى البنصر، ثم فعل هذا بما كان منه بالوسطى على هذه المرتبة؛ ثم جعل الثقيل الأوّل صنفين، الصنف الأوّل منهما هذا الذي ذكرناه، و الصنف الثاني القدر الأوسط من الثقيل الأوّل، و أجراه المجرى الذي تقدّم من تمييز الأصابع و المجاري، و ألحق جميع الطرائق و الأجناس بذلك و أجراها على هذا الترتيب. ثم لم يتعلّق بفهم ذلك أحد بعده فضلا عن أن يصنّفه في كتابه؛ فقد ألف جماعة من المغنّين كتبا، منهم يحيى المكيّ-/ و كان شيخ الجماعة و أستاذهم، و كلّهم كان يفتقر إليه و يأخذ عنه غناء الحجاز، و له صنعة كثيرة حسنة متقدّمة، و قد كان إبراهيم الموصليّ و ابن جامع يضطران إلى الأخذ عنه- ألّف كتابا جمع فيه الغناء القديم، و ألحق فيه ابنه الغناء المحدث إلى آخر أيّامه، فأتيا فيه في أمر الأصابع بتخليط عظيم، حتى جعلا أكثر ما جنّساه من ذلك مختلطا فاسدا، و جعلا بعضه، فيما زعما، تشترك الأصابع كلّها فيه؛ و هذا محال؛ و لو اشتركت الأصابع لما احتيج إلى تمييز الأغاني و تصييرها مقسومة على صنفين: الوسطى و البنصر. و الكلام في هذا طويل ليس موضعه هاهنا؛ و قد ذكرته في رسالة عملتها لبعض إخواني ممن سألني شرح هذا، فأثبتّه و استقصيته استقصاء يستغنى به عن غيره. و هذا كله فعله إسحاق و استخرجه بتمييزه، حتى أتى على كل ما رسمته الأوائل مثل إقليدس و من قبله و من بعده من أهل العلم بالموسيقى، و وافقهم بطبعه و ذهنه فيما قد أفنوا فيه الدهور، من غير أن يقرأ لهم كتابا أو يعرفه.
فأخبرني جعفر بن قدامة قال حدّثني عليّ بن يحيى المنجم قال:
كنت عند إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، فسأل إسحاق الموصليّ- أو سأله محمد بن الحسن بن مصعب- بحضرتي، فقال له: يا أبا محمد، أ رأيت لو أنّ الناس جعلوا للعود وترا خامسا للنّغمة الحادّة التي هي العاشرة على مذهبك، أين كنت تخرج منه؟ فبقي إسحاق واجما ساعة طويلة مفكرا، و احمرّت أذناه و كانتا عظيمتين، و كان إذا ورد عليه مثل هذا احمرّتا و كثر ولوعه بهما؛ فقال لمحمد بن الحسن: الجواب في هذا لا يكون كلاما إنما يكون بالضرب، فإن كنت تضرب أريتك أين تخرج؛ فخجل و سكت عنه مغضبا، لأنه كان أميرا و قابله من الجواب بما لا يحسن، فحلم عنه. قال عليّ بن يحيى: فصار إليّ به و قال لي: يا أبا الحسن، إنّ هذا/ الرجل سألني عما سمعت، و لم يبلغ علمه أن يستنبط مثله بقريحته، و إنما هو شيء قرأه من كتب الأوائل، و قد بلغني أنّ التراجمة
[١] اسمه محمد بن خازم مولى لبني عمرو بن سعد، و كان ثقة كثير الحديث يدلس، توفي بالكوفة سنة ١٩٥ ه.
[٢] هو روح بن عبادة القيسي من بني قيس بن ثعلبة و يكنى أبا محمد و كان ثقة، توفي سنة ٢٠٥ ه.