الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٦٣ - قصته مع الجواري اللاتي عقنه عن موعد الرشيد و خروج الرشيد إليهن معه متخفيا
مليحا، فغنّت إحداهنّ صوتا لمعبد، فقالت إحدى الثلاث من وراء الستر: أحسن إبراهيم، هذا له؛ فقلت: كذبت ليس هذا له، هذا لمعبد؛ فقالت: يا فاسق، و ما يدريك الغناء ما هو؛ ثم غنّت الأخرى صوتا للغريض، فقالت [تلك] [١]: أحسن إبراهيم، هذا له أيضا؛ فقلت: كذبت يا خبيثة، هذا للغريض؛ فقالت: اللهم أخزه، ويلك!/ و ما يدريك! ثم غنّت الجارية صوتا لي، فقالت تلك: أحسن ابن سريج، هذا له [٢]؛ فقلت: كذبت هذا لإبراهيم، و أنت تنسبين غناء الناس إليه و غناءه إليهم؛ فقالت: ويحك! و ما يدريك!؛ فقلت: أنا إبراهيم، فتباشرن بذلك جميعا و طربن كلّهن و ظهرن كلّهن لي و قلن: كتمتنا نفسك و قد سررتنا [٣]؛ فقلت: أنا الآن أستودعكنّ اللّه؛ فقلن:
و ما السبب؟ فأخبرتهنّ بقصتي مع الرشيد؛ فضحكن و قلن: الآن و اللّه طاب حبسك، علينا و علينا إن خرجت أسبوعا؛ فقلت: هو و اللّه القتل؛ قلن: إلى لعنة اللّه. فأقمت و اللّه عندهنّ أسبوعا لا أزول، فلما كان بعد الأسبوع ودّعنني و قلن: إن سلّمك اللّه فأنت بعد ثلاث عندنا، قلت نعم؛ فأجلسنني في الزنبيل و سرّحت؛ فمضيت لوجهي حتى أتيت دار الرشيد، و إذا النداء قد أشيع ببغداد في طلبي و أنّ من أحضرني فقد سوّغ ملكي و أقطع مالي؛ فاستأذنت فتبادر الخدم حتى أدخلوني على الرشيد؛ فلما رآني شتمني و قال: السيف و النّطع! إيه يا إبراهيم، تهاونت بأمري و تشاغلت بالعوامّ عما أمرتك به و جلست مع أشباهك من السفهاء حتى أفسدت [٤] عليّ لذّتي!؛ فقلت:
يا أمير المؤمنين، أنا بين يديك، و ما أمرت به غير فائت، و لي حديث عجيب ما سمع بمثله قطّ و هو الذي قطعني عنك ضرورة لا اختيارا، فاسمعه، فإن كان عذرا فاقبله و إلّا فأنت أعلم؛ قال: هاته فليس ينجيك؛ فحدّثته، فوجم ساعة ثم قال: إن هذا لعجب، أ فتحضرني معك هذا الموضع؟ قلت: نعم، و أجلسك معهنّ إن شئت قبلي حتى تحصل/ عندهنّ، و إن شئت فعلى موعد؛ قال: بل على موعد؛ قلت: أفعل؛ فقال: انظر؛ قلت: ذلك حاصل إليك متى شئت؛ فعدل عن رأيه فيّ و أجلسني و شرب/ و طرب؛ فلما أصبحت أمرني بالانصراف و أن أجيئه من عندهنّ؛ فمضيت إليهنّ في وقت الوعد، فلما وافيت الموضع إذا الزنبيل معلّق، فجلست فيه و مدّه الجواري فصعدت، فلما رأينني تباشرن و حمدن اللّه على سلامتي، و أقمت ليلتي [٥]، فلما أردت الانصراف قلت لهنّ: إن لي أخا هو عدل [٦] نفسي عندي، و قد أحبّ معاشرتكن و وعدته بذلك؛ فقلن: إن كنت ترضاه فمرحبا به؛ فوعدتهن ليلة غد و انصرفت و أتيت الرشيد و أخبرته؛ فلما كان الوقت خرج معي متخفّيا [٧] حتى أتينا الموضع، فصعدت و صعد بعدي و نزلنا [٨] جميعا، و قد كان اللّه وفّقني لأن قلت لهن: إذا جاء صديقي فاستترن عني و عنه و لا يسمع لكنّ نطقة، و ليكن ما تخترنه من غناء أو تقلنه من قول مراسلة؛ فلم يتعدّين ذلك و أقمن على أتمّ ستر و خفر، و شربنا شربا كثيرا، و قد كان أمرني ألّا أخاطبه بأمير المؤمنين، فلما أخذ منّي النبيذ قلت سهوا: يا أمير المؤمنين، فتواثبن من وراء الستارة حتى غابت عنّا حركاتهنّ؛ فقال لي: يا إبراهيم لقد أفلتّ من أمر عظيم، و اللّه لو برزت إليك واحدة
[١] زيادة عن ط، ء.
[٢] كذا في ط، ء. و في سائر الأصول: «هذا له أيضا» بزيادة كلمة «أيضا»، و هو تحريف.
[٣] كذا في ط، ء. و في سائر الأصول: «سررنا».
[٤] كذا في ط، ء. و في سائر الأصول: «حتى فسدت لذتي».
[٥] كذا في ط، ء. و في سائر الأصول: «ليلتين».
[٦] العدل: النظير.
[٧] كذا في ط، ء. و في سائر الأصول: «مختفيا».
[٨] كذا في ط، ء. و في سائر الأصول: «و بتنا».