الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٥٦ - خبر السمهري مع نديمه و مصرعه
إذا لبكت ليلى عليّ و أعولت
و ما نالت الثوب الذي أنا لابس [١]
فرجع إلى صحراء منعج، و هي إلى جنب أضاخ، و الحلّة قريب منها، و فيها منازل عكل، فكان يتردد و لا يقرب الحلة، و قد كان أكثر الجعل فيه، فمرّ بابني فائد/ ابن حبيب من بني أسد، ثم من بني فقعس فقال: أجيرا متنكرا، فحلبا له، فشرب و مضى لا يعرفانه، و ذهبا، ثم لبث السمهري ساعة، و كرّ راجعا فتحدث إلى أخت ابني فائد، فوجداه منبطحا على بطنه يحدثها، فنظر أحدهما إلى ساقه مكدّحة [٢]، إذا كدوح طريّة، فأخبر أخاه بذلك، فنظر، فرأى ما أخبره أخوه، فارتابا به، فقال أحدهما: هذا و اللّه السمهريّ الذي جعل فيه ما جعل، فاتفقا على مضابرته [٣]، فوثبا عليه، فقعد أحدهما على ظهره، و أخذ الآخر برجليه فوثب السمهري، فألقى الذي على ظهره، و قال: أ تلعبان؟ و قد ضبط رأس الذي كان على ظهره تحت إبطه، و عالجه الآخر، فجعل [٤] رأسه تحت إبطه أيضا، و جعلا يعالجانه، فناديا أختهما أن تعينهما، فقالت: أ لي الشّرك في جعلكما؟ قالا: نعم، فجاءت بجرير [٥] فجعلته في عنقه بأنشوطه ثم جذبته، و هو مشغول بالرّجلين يمنعهما، فلما استحكمت العقدة، و راحت من علابيّه [٦] خلى عنهما، و شد أحدهما، فجاء بصرار [٧]، فألقاه في رجله، و هو يداور الآخر، و الأخرى تخنقه؛ فخرّ لوجهه، فربطاه، ثم انطلقا به إلى عثمان بن حيان المرّيّ، و هو في إمارته على المدينة فأخذا ما جعل لأخذه، فكتب فيه إلى الخليفة، فكتب أن أدفعه إلى ابن أخي عون: عدي، فدفع إليه، فقال السمهريّ: أ تقتلني و أنت لا تدري أقاتل عمك أنا أم لا؟ ادن أخبرك، فأراد الدّنوّ منه، فنودي: إياك و الكلب، و إنما أراد أن يقطع أنفه، فقتله بعمه. و لما حبسه ابن حيّان في السجن تذكر زجر اللّهبيّ و صدقه، فقال:
ألا أيّها البيت الذي أنا هاجره
فلا البيت منسىّ و لا أنا زائره
/ ألا طرقت ليلى و ساقي رهينة
بأشهب مشدود عليّ مسامره [٨]
فإن أنج يا ليلى فربّ فتى نجا
و إن تكن الأخرى فشيء أحاذره
و ما أصدق الطير التي برحت لنا
و ما أعيف اللّهبيّ لا عزّ ناصره [٩]
رأيت غرابا ساقطا فوق بانة
ينشنش أعلى ريشه و يطايره [١٠]
فقال غراب باغتراب من النوى
و بان ببين من حبيب تحاذره [١١]
[١] هذا البيت جواب «لو» في البيت السابق.
[٢] مكدحة: ذات خدوش و سحجات.
[٣] مضابرته: من ضبر الشيء ضبرا بمعنى جمعه و شده، أي اتفقا على شد وثاقه.
[٤] فاعل جعل ضمير السمهري، و الهاء من رأسه تعود على ابن فائد الثاني.
[٥] بجرير: بحبل.
[٦] العلابي: أعصاب العنق.
[٧] الصرار: ما يشد به خلف الناقة.
[٨] بأشهب ... إلخ: يعني القيد، و مسامره نائب فاعل مشدود، و المراد بليلى هنا طيفها.
[٩] برحت: مرت شمالا، ما أعيف اللهبي: ما أمهره في زجر الطير، لا عز ناصره: جملة دعائية.
[١٠] ينشنش أعلى ريشه: ينتفه بمنقاره نتفا خفيفا.
[١١] يريد أن الغراب الذي رآه نذير الغربة، و أن البان نذير البين.