الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٥٤ - لما ذا غضب الواثق و المعتصم عليها
و بين يديها ثلاث قدور من دجاج، فلما رأتني قامت تعانقني و تقبّلني، ثم قالت: أيما أحب إليك أن تأكل من هذه القدور، أو تشتهي شيئا يطبخ لك، فقلت: بل قدر من هذه تكفينا، فغرفت قدرا منها، و جعلتها بيني و بينها، فأكلنا و دعونا [١] بالنبيذ، فجلسنا نشرب حتى سكرنا، ثم قالت: يا أبا الحسن، صنعت البارحة صوتا في شعر لأبي العتاهية، فقلت: و ما هو؟ فقالت هو:
عذيري من الإنسان لا إن جفوته
صفا لي و لا إن كنت طوع يديه [٢]
و قالت لي: قد بقي فيه شيء، فلم نزل نردده أنا و هي حتى استوى، ثم جاء الحجّاب/ فكسروا باب المراكبيّ و استخرجوني، فدخلت على المأمون، فلما رأيته أقبلت أمشي إليه برقص و تصفيق، و أنا أغنّي الصوت، فسمع و سمع من عنده ما لم يعرفوه و استظرفوه، و سألني المأمون عن خبره، فشرحته له. فقال لي: ادن و ردّده، فردّدته عليه سبع مرات. فقال في آخر مرة: يا علّوية. خذ الخلافة و اعطني هذا الصاحب.
نسبة هذا الصوت
صوت
عذيري من الإنسان لا إن جفوته
صفا لي و لا إن كنت طوع يديه
و إنّي لمشتاق إلى قرب صاحب
يروق و يصفو إن كدرت عليه [٣]
الشعر من الطويل و هو لأبي العتاهية، و الغناء لعريب، خفيف ثقيل أول بالوسطى، و نسبه عمرو بن بانة في هذه الطريقة و الأصبغ إلى علّوية.
لما ذا غضب الواثق و المعتصم عليها
: قال ابن المعتز: و حدثني القاسم بن زرزور: قال: حدثتني عريب قالت: كنت في أيام محمد [٤] ابنة أربع عشرة سنة، و أنا حينئذ أصوغ الغناء.
قال القاسم: و كانت عريب تكايد الواثق فيما يصوغه من الألحان و تصوغ في ذلك الشعر بعينه لحنا أجود من لحنه، فمن ذلك:
لم آت عامدة ذنبا إليك بلى
أقرّ بالذنب فاعف اليوم عن زللي
لحنها فيه حفيف ثقيل، و لحن الواثق رمل، و لحنها أجود من لحنه، و منها:
أشكو إلى اللّه ما ألقى من الكمد
حسبي بربّي و لا أشكو إلى أحد
لحنها و لحن الواثق جميعا من الثقيل الأول، و لحنها أجود من لحنه.
[١] مم «و دعت».
[٢] ف:
« لا إن صرت»
بدل:
« لا إن كنت»
. [٣] ف:
« إني لمشتاق إلى ظل صاحب
يرق و يصفو أن كدرت عليه
[٤] تقصد محمدا الأمين.