الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٨ - من بلاط الأمين إلى بلاط المأمون
لكلّ أناس جوهر متنافس
و أنت طراز الآنسات الملائح
فطرب محمد، و استعاد الصوت مرارا، و قال لإبراهيم: يا عمّ كيف سمعت؟ قال: يا سيدي، سمعت حسنا، و إن تطاولت بها الأيام، و سكن روعها ازداد غناؤها حسنا، فقال للفضل بن الربيع: خذها إليك، و ساوم بها، ففعل، فاشتطّ مولاها في السّوم، ثم أوجبها له بمائة ألف دينار، و انتقض أمر محمّد، و شغل عنها، و شغلت عنه، فلم يأمر لمولاها بثمنها حتى قتل بعد أن أفتضّها، فرجعت إلى مولاها، ثم هربت منه إلى حاتم بن عديّ، و ذكر باقي الخبر كما ذكره من تقدم.
و قال في خبره: إنها هربت من مولاها إلى ابن حامد [١]، فلم تزل عنده حتى قدم المأمون بغداد، فتظلّم إليه المراكبيّ من محمد بن حامد [٢]، فأمر بإحضاره فأحضر، فسأله عنها فأنكر، فقال له المأمون: كذبت قد سقط إليّ خبرها. و أمر صاحب الشرطة أن يجرده في مجلس الشرطة، و يضع عليه السّياط حتى يردّها، فأخذه، و بلغها الخبر فركبت حمار مكار، و جاءت و قد جرّد ليضرب، و هي مكشوفة الوجه، و هي تصيح: أنا عريب، إن كنت مملوكة فليبعني، و إن كنت حرّة فلا سبيل له عليّ، فرفع خبرها إلى المأمون، فأمر بتعديلها [٣] عند قتيبة بن زياد القاضي، فعدّلت عنده، و تقدّم إليه المراكبيّ مطالبا بها، فسأله البيّنة على ملكه إياها، فعاد متظلّما إلى المأمون، و قال: قد طولبت بما لم يطالب به أحد في رقيق، و لا يوجد مثله في يد من ابتاع عبدا أو أمة.
/ و تظلمت إليه زبيدة، و قالت: من أغلظ ما جرى عليّ بعد قتل محمد ابني هجوم المراكبيّ على داري و أخذه عريبا منها. فقال المراكبيّ: إنما أخذت ملكي، لأنّه لم ينقدني الثّمن، فأمر المأمون بدفعها إلى محمد بن عمر الواقديّ- و كان قد ولّاه القضاء بالجانب/ الشرقي- فأخذها من قتيبة بن زياد، فأمر ببيعها ساذجة، فاشتراها المأمون بخمسين ألف درهم، فذهبت به كلّ مذهب ميلا إليها و محبّة لها.
قال ابن المعتز: و لقد حدثني علي بن يحيى المنجم أن المأمون قبّل في بعض الأيام رجلها، قال: فلما مات المأمون بيعت في ميراثه، و لم يبع له عبد و لا أمة غيرها، فاشتراها المعتصم بمائة ألف درهم، و أعتقها، فهي مولاته.
و ذكر حمّاد بن إسحاق عن أبيه أنها لمّا هربت من دار محمد حين قتل تدلّت من قصر الخلد بحبل إلى الطريق، و هربت إلى حاتم بن عديّ.
و أخبرني جحظة، عن ميمون بن هارون:
أنّ المأمون اشتراها بخمسة آلاف دينار، و دعا بعبد اللّه بن إسماعيل، فدفعها إليه و قال: لو لا أنّي حلفت ألّا أشتري مملوكا بأكثر من هذا لزدتك، و لكني سأولّيك عملا تكسب فيه أضعافا لهذا الثمن مضاعفة، و رمى إليه بخاتمين من ياقوت أحمر، قيمتها ألف دينار، و خلع خلعا سنيّة، فقال: يا سيدي، إنما ينتفع الأحياء بمثل هذا، و أما أنا فإني ميّت لا محالة، لأن هذه الجارية كانت حياتي، و خرج عن حضرته، فاختلط و تغيّر عقله، و مات بعد أربعين يوما.
[١] ف «حاتم».
[٢] ف «حاتم بن عدي».
[٣] عدل الشيء أو الحكم: أقامه و سواه. و تعديلها عند قتيبة بن زياد إقامة العدل في أمرها عنده.