الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٦ - يشمخ بأنفه فيغري به المتوكل الصيمري
أبو تمام يشيد به
: حدثني عليّ بن سليمان الأخفش: قال: حدّثني أبو الغوث بن البحتريّ: قال:
حدثني أبي: قال: قال لي أبو تمام: بلغني أنّ بني حميد أعطوك مالا جليلا فيما مدحتهم به، فأنشدني شيئا منه، فأنشدته بعض ما قلته فيهم، فقال لي: كم أعطوك؟ فقلت: كذا و كذا، فقال: ظلموك، و اللّه ما و فوك حقّك، فلم استكثرت ما دفعوه إليك؟/ و اللّه لبيت منها خير مما أخذت، ثم أطرق قليلا، ثم قال: لعمري لقد استكثرت ذلك، و استكثر لك لمّا مات الناس و ذهب/ الكرام، و غاضت المكارم، فكسدت سوق الأدب، أنت و اللّه يا بنيّ أمير الشعراء غدا بعدي، فقمت فقبّلت رأسه و يديه و رجليه، و قلت له: و اللّه لهذا القول أسرّ إلى قلبي و أقوى لنفسي مما وصل إليّ من القوم.
أبو تمام ينعي نفسه
: حدثني محمد بن يحيى عن الحسن بن علي الكاتب: قال: قال لي البحتريّ: أنشدت أبا تمام يوما شيئا من شعري، فتمثّل ببيت أوس بن حجر:
إذا مقرم منا ذرا حدّ نابه
تخمّط فينا ناب آخر مقرم [١]
ثم قال لي: نعيت و اللّه إليّ نفسي، فقلت: أعيدك باللّه من هذا القول، فقال: إنّ عمري لن يطول، و قد نشأ في طيء مثلك، أ ما علمت أنّ خالد بن صفوان رأى شبيب بن شيبة، و هو من رهطة يتكلم، فقال: يا بنيّ، لقد نعى إليّ نفسي إحسانك في كلامك،، لأنّا أهل بيت ما نشأ فينا خطيب قطّ إلّا مات من قبله، فقلت له: بل يبقيك اللّه، و يجعلني فداءك. قال: و مات أبو تمام بعد سنة.
يشمخ بأنفه فيغري به المتوكل الصيمري
: حدثني أحمد بن جعفر جحظة: قال: حدثني أبو العنبس الصّميريّ قال:
كنت عند المتوكل و البحتريّ ينشده:
عن أيّ ثغر تبتسم
و بأيّ طرف تحتكم؟
حتى بلغ إلى قوله:
قل للخليفة جعفر ال
متوكّل بن المعتصم
/ المبتدي للمجتدي [٢]
و المنعم بن المنتقم
أسلم لدين محمد
فإذا سلمت فقد سلم
قال: و كان البحتريّ من أبغض الناس إنشادا، يتشادق و يتزاور [٣] في مشيه مرة جانبا، و مرّة القهقري، و يهزّ
[١] المقرم: السيد المقدم، تشبيها بالمقرم من الإبل، و هو المكرم الذي لا يحمل عليه و لا يذلل، و ذرا حد نابه: انكسر، و التخمط:
الأخذ و القهر بغلبة، و البيت في معنى قول الآخر:
إذا مات منا سيد قام صاحبه
[٢] ب، مم «المجتدي للمتجدي»، و ما أثبتناه من ف. و هو أبلغ في المدح، لأن المراد أن يعطي قبل السؤال.
[٣] يتزاور: ينحرف.