الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٤٤ - أنصاري يتحداه بشعر حسان بن ثابت
و نقول: ليت شعري ما صنع؟ إذ طلع علينا في حلّة أفواف [١]، قد أرخى غديرته، حتى جلس في مجلسه بالأمس، ثم قال: ما فعل الأنصاري؟ فنلنا منه، و شتمناه، فقال: قاتله اللّه: ما منيت بمثله، و لا سمعت بمثل شعره، فارقته، و أتيت منزلي، فأقبلت أصعّد و أصوّب في كل فن من الشعر، فكأني مفحم لم أقل شعرا قط، حتى إذا نادى المنادى بالفجر رحلت ناقتي، و أخذت بزمامها حتى أتيت ريّانا [٢]، و هو جبل بالمدينة، ثم ناديت بأعلى صوتي: أخاكم أخاكم، يعني شيطانه، فجاش صدري كما يجيش المرجل، فعقلت ناقتي و توسدت ذراعها، فما عتمت [٣] حتى قلت مائة بيت من الشعر و ثلاثة عشر بيتا، فبينا هو ينشد إذ طلع الأنصاري، حتى إذا انتهى إلينا سلم علينا، ثم قال:
إني لم آتك لأعجلك عن الأجل الذي وقّتّه لك، و لكني أحببت ألا أراك إلا سألتك: إيش [٤] صنعت؟ فقال:
اجلس، و أنشده قوله:
عزفت بأعشاش و ما كنت تعزف
و أنكرت من حدراء ما كنت تعرف
و لجّ بك الهجران حتى كأنما
ترى الموت في البيت الذي كنت تألف
في رواية ابن حبيب: تيلف [٥] حتى بلغ إلى قوله:
ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا
و إن نحن أومأنا إلى النّاس وقّفوا
/ و أنشدها الفرزدق، حتى بلغ إلى آخرها، فقام الأنصاري كئيبا، فلما توارى طلع أبوه أبو بكر بن خزم في مشيخة من الأنصار، فسلموا عليه، و قالوا: يا أبا فراس، قد عرفت حالنا و مكاننا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، و قد بلغنا أن سفيها من سفهائنا ربما تعرض لك، فنسألك بحق اللّه و حق رسوله لما حفظت فينا وصية رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، و وهبتنا له، و لم تفضحنا.
قال محمد بن إبراهيم: فأقبلت عليه أكلمه، فلما أكثرنا عليه، قال: اذهبوا، فقد وهبتكم لهذا القرشي.
[قال سليمان بن عبد الملك للفرزدق: أنشدني أجود شعر عملته، فأنشده:
عزفت بأعشاش و ما كدت تعزف [٦]
فقال: زدني: فأنشده:
ثلاث و اثنتان فتلك خمس
و واحدة تميل إلى الشّمام [٧]
فبتن بجانبيّ مصرّعات
و بتّ أفضّ أغلاق الختام [٨]
[١] أفواف: ثياب رقاق موشاة مخططة.
[٢] هكذا في ب «ريانا» و الصواب «ريان» بالمنع من الصرف، لأنه من الري و ربما كان من الرين، فتكون نونه أصلية، و حينئذ فلا مانع من صرفه، و في «المختار»: «ذبابا» بدل «ريانا».
[٣] ما عتمت: ما أبطأت.
[٤] إيش: لفظ منحوت من «أي شيء» و هو عربي فصيح.
[٥] و كذا في «الديوان»: ٥٥١ و «النقائض» و هي لهجة تميمية في تألف.
[٦] تقدمت الأبيات التي تبتدئ بهذا المصراع.
[٧] يريد بهذا العدد: من عبث بهن من النساء، و الشمام: القبل و الترشف و ما إليهما.
[٨] كنى بفض أغلاق الختام عن المضاجعة و المواقعة ...