الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٤٣ - أنصاري يتحداه بشعر حسان بن ثابت
عليهما غلام شخت [١] رقيق الأدمة، في ثوبين ممصرين، فقصد نحونا، فلم يسلم، و قال: أيكم الفرزدق؟
فقلت [٢] مخافة أن يكون من قريش: أ هكذا تقول لسيد العرب و شاعرها؟ فقال: لو كان كذلك لم أقل هذا، فقال له الفرزدق: من أنت لا أمّ لك، قال: رجل من الأنصار، ثم من بني النجار، ثم أنا ابن أبي بكر بن حزم، بلغني أنك تزعم أنك أشعر العرب، و تزعمه مضر، و قد قال شاعرنا حسان بن ثابت شعرا، فأردت أن أعرضه عليك، و أؤجلك سنة، فإن قلت مثله فأنت أشعر العرب، كما قيل، و إلا فأنت منتحل كذّاب، ثم أنشده:
أ لم تسأل الرّبع الجديد التكلّما
حتى بلغ إلى قوله:
و أبقى لنا مرّ الحروب و رزؤها
سيوفا و أدراعا و جمّا عرمرما [٣]
/ متى ما تردنا من معدّ عصابة
و غسان نمنع حوضنا أن يهدّما
/ لنا حاضر فعم و باد كأنه
شماريخ رضوى عزة و تكرّما [٤]
أبى فعلنا المعروف أن ننطق الخنا
و قائلنا بالعرف إلا تكلّما [٥]
بكل فتى عاري الأشاجع لاحه
قراع الكماة يرشح المسك و الدّما [٦]
ولدنا بني العنقاء و ابني محرّق
فأكرم بذا خالا و أكرم بذا ابنما [٧]
يسوّد ذا المال القليل إذا بدت
مروءته فينا و إن كان معدما [٨]
و إنا لنقري الضيف إن جاء طارقا
من الشحم ما أمسى صحيحا مسلّما [٩]
لنا الجفنات الغرّ يلمعن بالضّحى
و أسيافنا يقطرن من نجدة دما [١٠]
فأنشده القصيدة، و هي نيّف و ثلاثون بيتا، و قال له: قد أجّلتك في جوابها حولا، فانصرف الفرزدق مغضبا، يسحب رداءه، و ما يدري أيّة طرقه [١١] حتى خرج من المسجد، فأقبل على كثير، فقال له: قاتل اللّه الأنصار [١٢] ما أفصح لهجتهم، و أوضح حجّتهم، و أجود شعرهم، فلم نزل في حديث الأنصار و الفرزدق بقية يومنا، حتى إذا كان/ من الغد خرجت من منزلي إلى المسجد الذي كنت فيه بالأمس، فأتى كثيّر، فجلس معي، و إنّا لنتذاكر الفرزدق،
[١] الشخت: الضامر النحيف خلقة، و في بعض النسخ «شخت اللون» و كان الأنسب أن يقال «شخت الجسم».
[٢] التاء من قلت: ضمير راوي الخبر، و في هذا الخبر بعض الالتواء، و لكنه هكذا في الأصول.
[٣] جما عرمرما: جيشا كثير العدد. و في ف:
«جمعا عرمرما»
. [٤] فعم: ممتلئ، و المراد مفاخر.
[٥] هذا البيت تكملة من «المختار».
[٦] الأشاجع: أصول الأصابع، أو عروق ظاهر الكف، و يكنى بعريها عن كثرة قبضها على السلاح، لاحه: أهزله و أضمره، و يكنى بقوله:
«يرشح المسك و الدم»
عن أنه مترف وقت السلم، شجاع وقت الحرب.
[٧] ولدنا: ولدت أوائلنا، ابنما- بفتح النون- تمييز، و هو أحد اسمين يتبع ما قبل آخره في الأعراب آخره، و هما «امرؤ و ابنم».
[٨] في ب «منا» بدل «فينا».
[٩] يريد أنه إذا قرى لا يعمد إلى الهزيل أو السقيم من نوقه فيذبحه.
[١٠] البيت مشهور، و له قصة طويلة بين الخنساء و حسان و النابغة، ارجع إليها في كتب الأدب.
[١١] كذا في النسخ و المقام يستدعي زيادة كلمة «يسلك» بعد «أية طرقه» و في «المختار»: «يذهب».
[١٢] في بعض النسخ «قاتل اللّه الأنصاري، ما أفصح لهجته ... إلخ، بضمير الواحد».