الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٢٧ - يفخر بالمضربة أمام حاكم يماني
يخشى بأس يزيد بن المهلب
: أخبرنا عبد اللّه بن مالك، قال: حدثنا محمد بن حبيب، قال: حدثني الأصمعي، قال:
لما قدم يزيد بن المهلب واسطا قال لأمية بن الجعد- و كان صديق الفرزدق-: إنّي لأحب أن تأتيني بالفرزدق، فقال للفرزدق: ما ذا فاتك من يزيد أعظم الناس عفوا، و أسخى الناس كفّا، قال: صدقت، و لكن أخشى أن آتيه فأجد العمانيّة ببابه فيقوم إليّ رجل منهم فيقول: هذا الفرزدق الذي هجانا، فيضرب عنقي، فيبعث إليه يزيد، فيضرب عنقه، و يبعث إلى أهلي ديتي، فإذا يزيد قد صار أوفى العرب، و إذا الفرزدق فيما بين ذلك قد ذهب، قال [١]: لا و اللّه لا أفعل، فأخبر يزيد بما قال، فقال: أمّا إذ قد وقع هذا بنفسه فدعه لعنه اللّه.
ماجن يريد أن ينزو عليه
: قال ابن حبيب: و حدثنا يعقوب بن محمد الزهريّ عن أبيه عن جده قال:
دخل الفرزدق مع فتيان من آل المهلب في بركة يتبرّدون فيها، و معهم ابن أبي علقمة الماجن، فجعل يتفلّت إلى الفرزدق، فيقول: دعوني أنكحه، حتى لا يهجونا/ أبدا، و كان الفرزدق من أجبن الناس، فجعل يستغيث، و يقول: ويلكم! لا يمسّ جلده جلدي، فيبلغ ذلك جريرا، فيوجب عليّ أنه قد كان منه الذي يقول، فلم يزل يناشدهم حتى كفوه عنه.
يفخر بالمضربة أمام حاكم يماني
: أخبرني عبيد اللّه قال: حدثني محمد بن حبيب قال: حدثني موسى بن طلحة قال: لمّا ولي خالد بن عبد اللّه العراق، فقدمها و كان من أشد خلق اللّه عصبيّة على نزار فقال [٢] لبطة بن الفرزدق: فلبس أبي من صالح ثيابه؛ و خرج يريد السلام عليه، فقلت له: يا أبت، إن هذا الرجل يمانيّ، و فيه من العصبية ما قد علمت، فلو [٣] دخلت إليه فأنشدته مدائحك أهل اليمن لعل اللّه أن يأتيك منه بخير، فإنك قد كبرت على الرحلة، فجعل/ لا يردّ عليّ شيئا؛ حتى دفعنا إلى البواب؛ فأذن له؛ فدخل؛ و سلم؛ فاستجلسه [٤]؛ ثم قال: إيه يا أبا فراس، أنشدنا مما أحدثت، فأنشدته:
يختلف الناس ما لم نجتمع لهم
و لا خلاف إذا ما أجمعت مضر
فينا الكواهل و الأعناق تقدمها
فيها الرءوس و فيها السّمع و البصر [٥]
و لا نحالف غير اللّه من أحد
إلا السيوف إذا ما اغرورق النظر [٦]
و من يمل يمل المأثور قلّته
بحيث يلقى حفافي رأسه الشعر [٧]
[١] فاعل «قال» ضمير الفرزدق، و في بعض النسخ «ثم قال».
[٢] كذا في الأصول، و نرى حذف الفاء من «فقال» أو حذف لما من أول الجملة.
[٣] «لو» هنا ليست شرطية، بل هي للترجي.
[٤] فاعل «فاستجلسه» ضمير خالد بن عبد اللّه.
[٥] ضمير فيها يعود على الأعناق، و الكلام على تشبيه علية القوم بالكواهل و الأعناق.
[٦] في الأصول و لا «يخالف» و هو تصحيف، و الصواب «نحالف» من المحالفة لا من المخالفة، اغرورق النظر: امتلأت العين بالدموع، يكنى بذلك عن احتدام الحرب في لفحة الحر.
[٧] المأثور: السيف، قلته: رأسه، حفافا الشيء: جانباه، و المصراع الثاني، كناية عن الموت، كأنه شعر الحي تتجه أعاليه للهواء، فإذا صرع التف بجانبي الرأس.