الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٧٧ - يعرض بحبى و هو في طريقه إلى الموت
قال ابن قتيبة في حديثه:
فسأل سعيد بن العاص أخا زيادة أن يقبل الدّية عنه، قال: أعطيك ما لم يعطه أحد من العرب أعطيك مائة ناقة حمراء ليس فيها جدّاء [١] و لا ذات داء، فقال له: و اللّه لو نقبت لي قبّتك هذه، ثم ملأتها لي ذهبا، ما رضيت بها من دم هذا الأجدع، فلم يزل سعيد يسأله، و يعرض عليه فيأبى، ثم قال له: و اللّه لو أردت قبول الدية لمنعني قوله:
لنجدعنّ بأيدينا أنوفكم
و يذهب القتل فيما بيننا هدرا
فدفعه حينئذ ليقتله بأخيه.
يعرض بحبّى و هو في طريقه إلى الموت
: قال حمّاد: و قرأت على أبي عن مصعب بن عبد اللّه الزبيريّ قال:
و مرّ هدبة بحبّى، فقالت له: كنت أعدّك في الفتيان، و قد زهدت فيك اليوم، لأني لا أنكر أن يصبر الرّجال على الموت، لكن كيف تصبر عن هذه [٢]؟ فقال: أما و اللّه إنّ حبّي لها لشديد، و إن شئت لأصفنّ لك ذلك، و وقف الناس معه، فقال:
وجدت بها ما لم تجد أمّ واحد
و لا وجد حبّى بابن أمّ كلاب [٣]
رأته طويل السّاعدين شمر دلا
كما تشتهي من قوة و شباب [٤]
فانقمعت [٥] داخلة إلى بيتها فأغلقت الباب دونه. قالوا: فدفع إلى أخي زيادة ليقتله، قال: فاستأذن في أن يصلّي ركعتين، فأذن له، فصلاهما و خفّف، ثم التفت إلى من حضر فقال: لو لا أن يظنّ بي الجزع لأطلتهما، فقد كنت محتاجا إلى إطالتهما، ثم قال/ لأهله: إنه بلغني أنّ القتيل يعقل ساعة بعد سقوط رأسه، فإن عقلت فإني قابض رجلي و باسطها ثلاثا، ففعل ذلك حين قتل، و قال قبل أن يقتل:
إن تقتلوني في الحديد فإني
قتلت أخاكم مطلقا لم يقيّد [٦]
فقال عبد الرحمن أخو زيادة: و اللّه لا قتلته إلا مطلقا من وثاقه، فأطلق له، فقام إليه و هز السيف ثم قال:
قد علمت نفسي و أنت تعلمه
لأقتلنّ اليوم من لا أرحمه
ثم قتله.
فقال حمّاد في روايته:
و يقال: إن الذي تولّى قتله ابنه المسور، دفع إليه عمّه السيف و قال له: قم فاقتل قاتل أبيك، فقام، فضربه ضربتين قتله فيهما.
[١] الجداء: القليلة اللبن من مرض أصابها.
[٢] هذه: إشارة إلى زوجته.
[٣] يعرض بحبى و بحبها لرجل افتتنت به.
[٤] الشمردل: الجميل الخلق، و في ف، هج:
«كما اشترطت»
بدل
«كما تشتهي»
. [٥] فانقمعت: ولت هاربة.
[٦] البيت من الطويل دخله الخرم.