الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٤٤ - خبر أخيه عروة و ابنه خراش
خبر أخيه عروة و ابنه خراش
: قال: و أما عروة بن مرة و خراش بن أبي خراش فأخذهما بطنان من ثمالة يقال لهما بنو رزام و بنو بلال، و كانوا متجاورين، فخرج عروة بن مرة و ابن أبي خراش أخيه مغيرين عليهم طمعا في أن يظفروا من أموالهم بشيء، فظفر بهما الثماليون، فأما بنو رزام فنهوا عن قتلهما و أبت بنو بلال إلا قتلهما، حتى كاد يكون بينهم شر، فألقى رجل من القوم ثوبه على خراش حين شغل القوم بقتل عروة، ثم قال له: انج، و انحرف القوم بعد قتلهم عروة إلى الرجل، و كانوا أسلموه إليه، فقالوا: أين خراش؟ فقال: أفلت مني، فذهب، فسعى القوم في أثره، فأعجزهم، فقال أبو خراش في ذلك يرثي أخاه عروة، و يذكر خلاص ابنه:
/
حمدت إلهي بعد عروة إذ نجا
خراش و بعض الشر أهون من بعض
فو اللّه لا أنسى قتيلا رزيته
بجانب قوسى ما حييت على الأرض [١]
بلى إنها تعفو الكلوم و إنما
نوكّل بالأدنى و إن جلّ ما يمضي
و لم أدر من ألقى عليه رداءه
سوى أنه قد سلّ عن ماجد محض
و لم يك مثلوج الفؤاد مهبّلا
أضاع الشباب في الرّبيلة و الخفض [٢]
و لكنه قد نازعته مجاوع
على أنه ذو مرة صادق النهض [٣]
قال: ثم إن أبا خراش و أخاه عروة [٤] استنفرا حيّا من هذيل يقال لهم بنو زليفة بن صبيح ليغزوا ثمالة بهم طالبين بثأر أخيهما، فلما دنوا من ثمالة أصاب عروة ورد حمى، و كانت به حمى [٥] الرّبع فجعل عروة يقول:
أصبحت مورودا فقرّبوني
إلى سواد الحيّ يدفنوني
إنّ زهيرا وسطهم يدعوني
ربّ المخاض و اللّقاح الجون [٦]
/ فلبثوا إلى أن سكنت الحمّى، ثم بيّتوا ثمالة، فوجدوهم خلوفا ليس فيهم رجال، فقتلوا من وجدوا من الرجال، و ساقوا النساء و الذراريّ و الأموال، و جاء الصائح إلى ثمالة عشاء، فلحقوهم، و انهزم أبو خراش و أصحابه، و انقطعت بنو زليفة، فنظر الأكنع الثّماليّ- و كان مقطوع الأصبع- إلى عروة فقال: يا قوم، ذلك و اللّه عروة، و أنا و اللّه رام بنفسي عليه، حتى يموت أحدنا، و خرج يمعج [٧] نحو عروة، فصاح عروة بأبي خراش أخيه:
أي أبا خراش، هذا و اللّه الأكنع و هو قاتلي، فقال أبو خراش: أمضه [٨]، و قعد له على طريقه، و مر به الأكنع
[١] تقدم هذا البيت و البيتان اللذان بعده في الترجمة نفسها.
[٢] مثلوج الفؤاد: كناية عن الدعة و الخور، و المهبل: من يقال له: هبلتك أمك، بمعنى ثكلتك، يعني أنه لم يكن يجرؤ أحد على سبه الربيلة و الخفض. معناهما واحد، هو الدعة و النعمة يصف المرثي بأنه كمن يركب الأهوال.
[٣] ف: مخامص، ذو مرة، ذو قوة، صادق النهض: شجاع إذا نهض إلى الحرب ولي.
[٤] هنا اضطراب بين في سياق الحديث، ففيما سبق أن عروة قد قتل، و هنا ما يفيد أنه ما زال حيا، فلعل هذا الكلام رواية أخرى تتعلق به، أو لعل ثمة تحريفا بوضع عروة موضع عمرو، و العجيب أن تتفق الأصول التي بين أيدينا على هذه الرواية.
[٥] حمى الربع: هي التي تصيب المريض دوما و تدعه يومين، ثم تعود إليه في اليوم الرابع.
[٦] الجون: يريد رب الإبل التي في لونها دهمة أي سواد.
[٧] يمعج: يسرع.
[٨] أمضه: اجعله يمضي خلفك.