الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٣٦ - حاتم و بنو لأم
أحسن إليكم فكان لكم الفضل عليّ، و أنا أعاهد اللّه أن أضرب عراقيب إبلي عن آخرها أو تقدموا [١] إليها فتقتسموها. ففعلوا، فأصاب الرجل تسعة و تسعين بعيرا [٢]، و مضوا على سفرهم إلى النعمان. و إن أبا حاتم سمع بما فعل، فأتاه، فقال له: أين الإبل؟ فقال: يا أبت؛ طوّقتك بها طوق الجمامة مجد الدهر، و كرما لا يزال الرجل يحمل بيت شعر أثنى به علينا عوضا من إبلك.
فلما سمع أبوه ذلك قال: أ بإبلي فعلت ذلك! قال: نعم، قال: و اللّه لا أساكنك أبدا. فخرج أبوه بأهله، و ترك حاتما، و معه جاريته و فرسه و فلوها، فقال يذكر تحوّل أبيه عنه [٣]:
/
و إني لعفّ الفقر مشترك الغنى
و تارك شكل [٤] لا يوافقه شكلي
و شكلي شكل لا يقوم لمثله
من الناس إلّا كلّ ذي نيقة مثلي [٥]
و أجعل مالي دون عرضي جنّة
لنفسي و أستغني بما كان من فضلي
و ما ضرّني أن سار سعد بأهله
و أفردني في الدار ليس معي أهلي
سيكفي ابتنائي المجد سعد بن حشرج
و أحمل عنكم كلّ ما ضاع من ثقل [٦]
و لي مع بذل المال في المجد صولة
إذا الحرب أبدت عن نواجذها العصل [٧]
و هذا شعر يدلّ على أنّ جدّه صاحب هذه القصة معه لا أنها قصة أبيه. و هكذا ذكر يعقوب بن السكيت، و وصف أنّ أبا حاتم هلك و حاتم صغير، فكان في حجر جدّه سعد بن الحشرج، فلما فتح يده بالعطاء و أنهب ماله ضيّق عليه جدّه و رحل عنه بأهله، و خلّفه في داره،/ فقال يعقوب خاصة:
فبينا حاتم يوما بعد أن أنهب ماله و هو نائم إذ انتبه، و إذا [٨] حوله مائتا بعير أو نحوها تجول و يحطم بعضها بعضا، فساقها إلى قومه، فقالوا: يا حاتم، أبق على نفسك فقد رزقت مالا، و لا تعودنّ إلى ما كنت عليه من الإسراف، قال: فإنها نهبى [٩] بينكم، فانتهبت، فأنشأ حاتم يقول:
/
تداركني مجدي بسفح متالع
فلا ييأسن ذو نومة أن يغنّما [١٠]
قال: و لم يزل حاتم على حاله في إطعام الطعام و إنهاب ماله حتى مضى لسبيله.
حاتم و بنو لأم
قال ابن الأعرابيّ، و يعقوب بن السكّيت، و سائر من ذكرنا من الرّواة:
[١] ف و المختار و الديوان ٨٤ «أو تقوموا إليها».
[٢] ف و الديوان و المختار «تسعة و ثلاثين بعيرا».
[٣] ديوانه ٦.
[٤] الديوان «و ودك شكل».
[٥] النيقة، من قولهم: تنيق في مأكله و ملبسه: تجوّد و بالغ، كتنوق، و الاسم النيقة، بالكسر. و في الديوان «إلا كل ذي خلق مثلي».
[٦] كذا في ف، ج. و في أ، ب «من نفل»، و في الديوان «ما حل من أزلي»، و الأزل: الضيق.
[٧] النواجذ: أقصى الأضراس، و العصل: المعوجة في صلابة، جمع أعصل، و هو كناية عن اشتداد الحرب.
[٨] كذا في أ، ب، و في ف «و وهبه و هو نائم».
[٩] النهبى: كل ما انتهب.
[١٠] ديوانه ٥٢، و في ف «تداركني جدي».