الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٦ - مساءلته حمادا عن شيء من الشعر و تفسيره
مودته للطرماح مع اختلاف المذهب و العصبية
قال ابن قتيبة في خبره خاصة: و كانت بينه و بين الطّرمّاح خلطة و مودّة و صفاء لم يكن بين اثنين [١]، قال [٢]:
فحدّثني بعض أصحابه عن محمد بن سهل راوية الكميت، قال: أنشدت الكميت قول الطّرمّاح:
إذا قبضت نفس الطّرمّاح أخلقت
عرا المجد و استرخى عنان القصائد
قال: إي و اللّه و عنان الخطابة و الرواية. قال: و هذه الأحوال بينهما على تفاوت المذاهب و العصبيّة و الدّيانة؛ كان الكميت شيعيّا عصبيّا عدنانيا من شعراء مضر، متعصّبا لأهل الكوفة، و الطرمّاح خارجيّ صفريّ قحطانيّ عصبيّ لقحطان، من شعراء اليمن، متعصب لأهل الشام، فقيل لهما: ففيم اتفقتما هذا الاتفاق مع اختلاف سائر الأهواء [٣]؟ قال: اتفقنا على بغض العامة.
علمه بأيام العرب و أشعارها
أخبرني عمي قال: حدثني محمد بن سعد الكرانيّ، قال: حدّثنا أبو عمر العمريّ، عن لقيط، قال:
اجتمع الكميت بن زيد و حمّاد الراوية في مسجد الكوفة، فتذاكرا أشعار العرب و أيّامها، فخالفه حماد في شيء و نازعه، فقال له الكميت: أ تظنّ أنّك أعلم منّي بأيام العرب و أشعارها؟ قال: و ما هو إلا الظنّ! هذا و اللّه هو اليقين. فغضب الكميت ثم قال له: لكم شاعر بصير، يقال له عمرو ابن فلان، تروي؟ و لكم شاعر أعور أو أعمى [٤] اسمه فلان ابن عمرو، تروي؟ فقال حماد قولا لما يحفظه: فجعل الكميت يذكر رجلا رجلا من صنف صنف،/ و يسأل حمّادا: هل يعرفه؟ فإذا قال: لا، أنشده من شعره جزءا منه حتى ضجرنا.
مساءلته حمادا عن شيء من الشعر و تفسيره
ثم قال له الكميت: فإني سائلك عن شيء من الشّعر، فسأله عن قول الشاعر [٥]:
طرحوا أصحابهم في ورطة
فذفك المقلة شطر المعترك [٦]
فلم يعلم حمّاد تفسيره، فسأله عن قول الآخر:
تدرّيننا بالقول حتى كأنما
تدرّين ولدانا تصيد الرّهادنا
فأفحم حمّاد، فقال له: قد أجّلتك إلى الجمعة الأخرى، فجاء حماد و لم يأت بتفسيرهما، و سأل الكميت أن يفسّرهما له، فقال: المقلة: حصاة أو نواة من نوى المقل يحملها القوم معهم إذا سافروا، و توضع في الإناء و يصبّ عليها الماء حتى يغمرها، فيكون ذلك علامة يقتسمون بها الماء. و الشّطر: النّصيب. و المعترك: الموضع الذي يختصمون فيه في الماء، فيلقونها هناك عند الشّرّ. و قوله: «تدرّيننا»، يعني النساء، أي ختلننا فرميننا. و الرهادن:
طير بمكة كالعصافير.
[١] الخبر في الشعر و الشعراء ٥٦٢.
[٢] الخبر في الشعر و الشعراء ٥٦٧.
[٣] في أ «مع سائر اختلاف».
[٤] في المختار «لكم شاعر أعمى يقال له فلان ابن عمر».
[٥] هو يزيد بن طعمة الخطمي. اللسان «مقل»، مجالس العلماء ٢١٦.
[٦] في أ «وسط المعترك».