الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٨ - تواريه و سعي رجالات قريش في خلاصه
و الفتيان بين يديه إلى سكّة شبيب بناحية الكناسة [١]، فمرّ بمجلس من مجالس بني تميم، فقال بعضهم: رجل و ربّ الكعبة. و أمر غلامه فاتّبعه، فصاح به أبو الوضّاح: يا كذا و كذا، لا أراك تتبع هذه المرأة منذ اليوم. و أومأ إليه بنعله، فولّى العبد مدبرا، و أدخله أبو الوضّاح منزله.
كشف أمره
و لمّا طال على السجّان الأمر نادى الكميت فلم يجبه، فدخل ليعرف خبره، فصاحت به المرأة: وراءك، لا أمّ لك! فشقّ ثوبه، و مضى صارخا إلى بابا خالد، فأخبره الخبر، فأحضر حبّي فقال لها: يا عدوّة اللّه، احتلت على أمير المؤمنين، و أخرجت عدوّه، لأمثّلنّ بك و لأصنعنّ و لأفعلنّ. فاجتمعت بنو أسد إليه. و قالوا: ما سبيلك على امرأة منّا خدعت. فخافهم فخلّى سبيلها.
خبرته بزجر الطير
قال: و سقط غراب على الحائط فنعب، فقال الكميت لأبي وضّاح: إني لمأخوذ، و إنّ حائطك لساقط. فقال:
سبحان اللّه! هذا ما لا يكون إن شاء اللّه. فقال له: لا بدّ من أن تحوّلني. فخرج به إلى بني علقمة- و كانوا يتشيّعون- فأقام فيهم و لم يصبح حتى سقط الحائط الذي سقط عليه الغراب.
خروجه إلى الشأم
قال ابن الأعرابيّ: قال المستهلّ: و أقام الكميت مدة متواريا، حتى إذا أيقن أنّ الطلب قد خفّ عنه خرج ليلا في جماعة من بني أسد، على خوف و وجل، و فيمن معه صاعد غلامه، قال: و أخذ الطريق على القطقطانة [٢]- و كان عالما بالنجوم مهتديا بها- فلما صار سحير [٣] صاح بنا: هوّموا [٤] يا فتيان، فهوّ منا، و قام يصلّي.
أطعم ذئبا فهداه الطريق
قال المستهلّ: فرأيت شخصا فتضعضعت له، فقال: ما لك؟ قلت: أرى شيئا مقبلا، فنظر إليه فقال: هذا ذئب قد جاء يستطعمكم، فجاء الذئب فربض ناحية، فأطعمناه يد جزور، فتعرّقها، ثم أهوينا له بإناء فيه ماء فشرب منه، و ارتحلنا، فجعل الذئب يعوي، فقال الكميت: ما له ويله! أ لم نطعمه و نسقه! و ما أعرفني بما يريد! هو يعلمنا أنّا لسنا على الطريق؛ تيامنوا يا فتيان، فتيامنّا فسكن عواؤه.
تواريه و سعي رجالات قريش في خلاصه
فلم نزل نسير حتى جئنا الشام، فتوارى في بني أسد و بني تميم، و أرسل إلى أشراف قريش- و كان سيّدهم يومئذ عنبسة بن سعيد بن العاص- فمشت رجالات قريش بعضها إلى بعض، و أتوا عنبسة، فقالوا: يا أبا خالد، هذه مكرمة قد أتاك اللّه بها، هذا الكميت بن زيد لسان مضر، و كان أمير المؤمنين كتب في قتله، فنجا حتى تخلّص إليك
[١] في ب و المختار «الكناس»، و الكناسة: محلة بالكوفة، و كناس: موضع في بلا غني. (ياقوت).
[٢] القطقطانة: موضع بالكوفة، كان به سجن للنعمان بن المنذر.
[٣] صار هنا تامة.
[٤] هوّموا: ناموا نوما خفيفا؛ يريد: استريحوا، و أغفوا إغفاءة.