الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٢٦ - حرب داحس و الغبراء
قطّ إلّا إلى شرّ. ثم أتى بني بدر، فسألهم المواضعة، فقالوا: لا، حتى نعرف سبقنا؛ فإن أخذنا فحقّنا، و إن تركنا فحقّنا.
فغضب قيس و محك [١]، و قال: أما إذ فعلتم فأعظموا الخطر، و أبعدوا الغاية، قالوا: فذلك لك. فجعلوا الغاية من واردات إلى ذات الإصاد، و ذلك مائة غلوة، و الثّنيّة فيما بينهما، و جعلوا القصبة في يدي رجل من بني ثعلبة بن سعد، يقال له حصين، و يقال: رجل من بني العشراء من بني فزارة، و هو ابن أخت لبني عبس، و ملئوا البركة ماء، و جعلوا السابق أوّل الخيل يكرع فيها.
ثم إن حذيفة بن بدر و قيس بن زهير أتيا المدى الذي أرسلن منه ينظران إلى الخيل كيف خروجها منه. فلما أرسلت عارضاها [٢]، فقال حذيفة: خدعتك يا قيس، قال: ترك الخداع من أجرى من مائة؛ فأرسلها مثلا.
ثم ركضا ساعة فجعلت خيل حذيفة تبرّ و خيل قيس [٣] تقصّر، فقال/ حذيفة: سبقتك يا قيس، فقال: جري المذكّيات غلاب [٤]، فأرسلها مثلا. ثم ركضا ساعة، فقال حذيفة: إنك لا تركض مركضا، فأرسلها مثلا. و قال:
سبقت خيلك يا قيس، فقال قيس: رويدا يعلون الجدد، فأرسلها مثلا.
قال: و قد جعل بنو فزارة كمينا بالثنيّة، فاستقبلوا داحسا فعرفوه فأمسكوه و هو السابق، و لم يعرفوا الغبراء و هي خلفه مصلّية، حتى مضت الخيل و استهلّت من الثنيّة، ثم أرسلوه فتمطّر [٥] في آثارها؛ أي أسرع، فجعل يبدرها فرسا فرسا حتى سبقها إلى الغاية مصلّيا، و قد طرح الخيل غير الغبراء، و لو تباعدت الغاية لسبقها؛ فاستقبلها بنو فزارة فلطموها، ثم حلّئوها [٦] عن البركة، ثم لطموا داحسا و قد جاءا متواليين. و كان الذي لطمه عمير بن نضلة، فجسأت [٧] يده؛ فسمّي جاسئا.
فجاء قيس و حذيفة في آخر الناس، و قد دفعتهم بنو فزارة عن سبقهم، و لطموا أفراسهم، و لم تطقهم [٨] بنو عبس يقاتلونهم، و إنما كان من شهد ذلك من بني عبس أبياتا غير كثيرة، فقال قيس بن زهير: يا قوم، إنه لا يأتي قوم إلى قومهم شرّا من الظلم، فأعطونا حقّنا، فأبت بنو فزارة/ أن يعطوهم شيئا- و كان الخطر [٩] عشرين من الإبل- فقالت بنو عبس: أعطونا/ بعض سبقنا، فأبوا، فقالوا: أعطونا جزورا ننحرها نطعمها أهل الماء؛ فإنا نكره القالة في العرب. فقال رجل من بني فزارة: مائة جزور و جزور واحد سواء، و اللّه ما كنّا لنقرّ لكم بالسبق علينا، و لم نسبق.
فقام رجل من بني مازن بن فزارة فقال: يا قوم، إنّ قيسا كان كارها لأوّل هذا الرهان، و قد أحسن في آخره،
[١] محك: لجّ.
[٢] أ «عارضها».
[٣] كذا في المختار و النقائض، و في أ «خيل زهير».
[٤] هامش أ «و يروى: غلاء، من المعالاة»، و في «القاموس» كل مرماة غلوة و جمعها غلوات و غلاء، و في المثل: جرى المذكيات غلاء.
[٥] في «القاموس» تمطرت الخيل: جاء يسبق بعضها بعضا. و تمطرت الطير: أسرعت.
[٦] حلئوها: منعوها.
[٧] جسأت يده: صلبت، و في المختار و النقائض «فجفت».
[٨] في المختار و النقائض «و لو يطيقهم بنو عبس لقاتلوهم».
[٩] الخطر: السبق.