الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٣ - موت عامر بن الطفيل
قال: و نشأت سحابة و قد خلّيا عن بعيريهما، فخرج أربد يريد البعيرين، حتى إذا كان عند تلك البرقة غشيته صاعقة فمات.
و قد لبيد على أبي براء فأخبره خبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، و أمره، قال: فما فعل فيما استشفيته؟ قال: تاللّه ما رأيت منه شيئا كان أضعف عندي من ذلك، و أخبره بالخبر. قال: فأين هي؟ قال: ها هي ذه معي. قال: هاتها، فأخرجها له فدافها، ثم شربها فبرأ.
رواية أخرى في وفوده على الرسول
قال ابن دأب: فحدّثني حنظلة بن قطرب بن إياد، أحد بني أبي بكر بن كلاب، قال:
لما أصاب عامر بن الطفيل ما أصابه، بعث بنو عامر لبيدا، و قالوا له: اقدم لنا على هذا الرجل فاعلم لنا علمه. فقدم عليه، فأسلم، و أصابه و جمع هناك شديد من حمى، فرجع إلى قومه بفضل تلك الحمّى، و جاءهم بذكر البعث و الجنة و النار، فقال سراقة بن عوف بن الأحوص:
لعمر لبيد إنه لابن أمّه
و لكن أبوه مسّه قدم العهد
دفعناك في أرض الحجاز كأنما
دفعناك فحلا فوقه قزع اللّبد [١]
فعالجت حمّاه و داء ضلوعه
و ترنيق عيش مسّه طرف الجهد
و جئت بدين الصابئين تشوبه
بألواح نجد بعد عهدك من عهد!
و إنّ لنا دارا- زعمت- و مرجعا
و ثمّ إياب القارظين و ذي البرد
/ قال: فكان عمر يقول: و ايم اللّه، إياب القارظين [٢] و ذي البرد.
وفود عامر بن الطفيل على رسول اللّه
أخبرني عبد العزيز بن أحمد عمّ أبي، و حبيب بن نصر المهلّبي، و غيرهما، قالوا: حدثنا الزّبير بن بكّار، قال:
حدّثتني ظمياء بنت عبد العزيز بن مولة، قالت [٣]:
حدثني أبي، عن جدّي مولة بن كثيف، أنّ عامر بن الطفيل أتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم فوسّده و سادة، ثم قال: أسلم يا عامر. قال: على أنّ لي الوبر و لك المدر، فأبى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، فقام عامر مغضبا فولّى، و قال: لأملأنّها عليك خيلا جردا، و رجالا مردا، و لأربطنّ بكل نخلة فرسا. فسألته عائشة: من هذا؟ فقال: هذا عامر بن الطفيل، و الذي نفسي بيده لو أسلم فأسلمت بنو عامر معه لزاحموا قريشا على منابرهم. قال: ثم دعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، و قال: يا قوم، إذا دعوت فأمّنوا، فقال: اللهم اهد بني عامر، و اشغل عنّي عامر بن الطفيل بما شئت، و كيف شئت، و أنّى شئت.
موت عامر بن الطفيل
فخرج فأخذته غدّة مثل غدّة البكر، فجعل يثب و ينزو في السماء و يقول: يا موت ابرز لي، و يقول: غدّة مثل غدّة البكر، و موت في بيت سلوليّة؟! و مات.
[١] اللبد: ما يجعل على ظهر الفرس. و القزع: بقايا الشعر.
[٢] القارظان: رجلان خرجا في طلب القرظ، يجنيانه، فلم يرجعا، فضرب بهما المثل في انقطاع الغيبة.
[٣] في أ: قال «و حدّثني».