الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٣٥ - عبيد بن الأبرص و بشر بن أبي خازم و النابغة الذبياني يمتدحونه فيهب لهم إبل جده كلها
/
و ما ذا ترون [١] اليوم إلّا طبيعة
فكيف بتركي يا ابن أمّ الطّبائعا
سفانة ابنته من أجود نساء العرب
قال ابن الكلبيّ: و حدثني أبو مسكين قال:
كانت سفّانة بنت حاتم من أجود نساء العرب، و كان أبوها يعطيها الصّرمة بعد الصّرمة من إبله، فتنهبها و تعطيها الناس، فقال لها حاتم: يا بنية، إنّ القرينين إذا اجتمعا في المال أتلفاه، فإما أن أعطي و تمسكي، أو أمسك و تعطي؛ فإنه لا يبقى على هذا شيء.
شعره يشبه جوده
قال ابن الأعرابيّ:
كان حاتم من شعراء العرب، و كان جوادا يشبه/ شعره جوده، و يصدّق قوله فعله، و كان حيثما نزل عرف منزله، و كان مظفّرا، إذا قاتل غلب، و إذا غنم أنهب، و إذا سئل وهب، و إذا ضرب بالقداح فاز، و إذا سابق سبق، و إذا أسر أطلق، و كان يقسم باللّه ألّا يقتل واحد أمّه.
و كان إذا أهلّ الشهر الأصمّ [٢] الذي كانت مضر تعظّمه في الجاهلية ينحر في كلّ يوم عشرا من الإبل، فأطعم الناس و اجتمعوا إليه، فكان ممّن يأتيه من الشعراء الحطيئة، و بشر بن أبي خازم.
فذكروا أن أمّ حاتم أوتيت و هي حبلى في المنام، فقيل لها: أغلام سمح يقال له: حاتم أحبّ إليك أم عشرة غلمة كالناس، ليوث ساعة البأس، ليسوا بأوغال و لا أنكاس [٣]، فقالت: بل حاتم، فولدت حاتما.
لا يأكل إلا إذا وجد من يأكل معه
فلما ترعرع جعل يخرج طعامه، فإن وجد من يأكله معه أكل، و إن لم يجد/ طرحه. فلما رأى أبوه أنه يهلك طعامه قال: له الحق بالإبل، فخرج إليها، و وهب له جارية و فرسا و فلوها [٤]، فلما أتى الإبل طفق يبغي الناس فلا يجدهم، و يأتي الطريق فلا يجد عليه أحدا.
عبيد بن الأبرص و بشر بن أبي خازم و النابغة الذبياني يمتدحونه فيهب لهم إبل جده كلها
فبينا هو كذلك إذ بصر بركب على الطريق، فأتاهم فقالوا: يا فتى هل من قرى؟ فقال: تسألوني عن القرى و قد ترون الإبل؟ و كان الذين بصر بهم عبيد بن الأبرص، و بشر بن أبي خازم، و النابغة الذبيانيّ؛ و كانوا يريدون النعمان، فنحر لهم ثلاثة من الإبل، فقال عبيد: إنما أردنا بالقرى اللبن، و كانت تكفينا بكرة إذا كنت لا بدّ متكلّفا لنا شيئا، فقال حاتم: قد عرفت، و لكني رأيت وجوها مختلفة، و ألوانا متفرّقة، فظننت أن البلدان غير واحدة؛ فأردت أن يذكر كلّ واحد منكم ما رأى إذا أتى قومه، فقالوا فيه أشعارا امتدحوه بها، و ذكروا فضله. فقال حاتم: أردت أن
[١] ف «و ما إن ترون»، أ «و ما ترون»، و في الديوان «و لا ما ترون إلا ... طبائعا».
[٢] قال في «القاموس»: «رجب الأصم، لأنه لا ينادي فيه «يا لفلان! و يا صباحاه»!.
[٣] أوغال: جمع وغل، و هو الضعيف النذل الساقط المقصر. و الأنكاس: جمع نكس، و هو الضعيف المقصر عن غاية الكرم، و في ف «بأوغاد».
[٤] الفلو: المهر إذا فطم.