الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٦١ - أصابته الحمى و مات بها
فمكث سبعا، ثم اشتدت الحمّى به فخرج، فقال لأصحابه: جنّبوني بلاد قيس؛ فقد كانت بيننا حماسات في الجاهلية، و لا و اللّه لا أقاتل مسلما حتى ألقى اللّه. فنزل بماء لحيّ من طيّىء يقال له فردة، و اشتدّت به الحمّى، فأنشأ يقول:
أ مرتحل صحبي المشارق غدوة
و أترك في بيت بفردة منجد [١]
سقى اللّه ما بين القفيل فطابة
فما دون أرمام فما فوق منشد
هنالك لو أني مرضت لعادني [٢]
عوائد من لم يشف منهنّ يجهد
فليت اللواتي عدنني لم يعدنني
و ليت اللواتي غبن عنّي عوّدي
قال: و كتب معه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم لبني نبهان بفيدك [٣] كتابا مفردا، و قال له: أنت زيد الخير، فمكث بالفردة سبعة أيام ثم مات. فأقام عليه قبيصة بن الأسود المناحة سبعا، ثم بعث راحلته و رحله، و فيه/ كتاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، فلما نظرت امرأته- و كانت على الشّرك- إلى الراحلة ليس عليها زيد ضربتها بالنار و قالت:
ألا إنما زيد [٤] لكلّ عظيمة
إذا أقبلت أوب الجراد رعالها
لقاهم [٥] فما طاشت يداه بضربهم
و لا طعنهم حتى تولّى سجالها
قال: فبلغني أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم لما بلغه ضرب امرأة زيد الراحلة بالنار، و احتراق الكتاب، قال: بؤسا لبني نبهان.
و قال أبو عمرو الشيبانيّ:
لما وفد زيد الخيل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، فدخل إليه، طرح له متّكأ فأعظم أن يتكئ بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، فردّ المتّكأ، فأعاده عليه ثلاثا، و علّمه دعوات كان يدعو بها فيعرف الإجابة، و يستسقى فيسقى، و قال:
يا رسول اللّه، أعطني ثلاثمائة فارس أغير بهم على قصور الروم، فقال له: أيّ رجل أنت يا زيد! و لكن أمّ الكلبة تقتلك- يعني الحمّى- فلم يلبث زيد بعد انصرافه إلّا قليلا حتى حمّ و مات.
قال أبو عمرو: و أسلموا جميعا إلّا وزر؛ فإنّه قال لما رأى النبي صلّى اللّه عليه و سلم: إني لأرى رجلا ليملكنّ رقاب العرب، و و اللّه لا يملك رقبتي أبدا؛ فلحق بالشام، فتنصّر و حلق رأسه، فمات على ذلك.
أخبرني محمد بن الحسن بن دريد، قال: حدثني السكن بن سعيد، عن محمد بن عباد، عن ابن الكلبيّ قال:
أقبل زيد الخيل الطائيّ حتى أتى النبي صلّى اللّه عليه و سلم، و كان زيد رجلا جسيما طويلا جميلا، فقال له/ النبيّ صلّى اللّه عليه و سلم: من أنت؟ قال:/ أنا زيد الخيل. قال: بل أنت زيد الخير، أما إني لم أخبر عن رجل خبرا إلا وجدته دون ما أخبرت به عنه غيرك؛ إن فيك لخصلتين يحبّهما اللّه عزّ و جلّ و رسوله، قال: و ما هما يا رسول اللّه؟ قال: الأناة و الحلم، فقال زيد: الحمد صلّى اللّه عليه و سلم الذي جبلني على ما يحبّ اللّه و رسوله.
[١] المختار «مفرد».
[٢] المختار «هنالك إني لو مرضت لعادني».
[٣] كذا في «ما» و هو ما يرجحه نص الإصابة و الطبقات. و في المختار: «بفردة»، و في ب، س «يفدك» تحريف.
[٤] ج و المختار «ألا نبها زيدا»، رعال: جمع رعلة و هي القطعة من الخيل.
[٥] لقاهم: لقيهم، و هي لغة طيئ فيما أشبهها.