الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٥٢ - حاتم و محرق
أصابت الناس/ سنة، فأذهبت الخفّ و الظّلف، فإني و إياه ليلة قد أسهرنا الجوع، قالت: فأخذ عديّا و أخذت سفّانة، و جعلنا نعلّلهما حتى ناما، ثم أقبل عليّ يحدّثني و يعلّلني بالحديث كي أنام، فرققت له لما به من الجهد، فأمسكت عن كلامه لينام، فقال لي: أنمت؟ مرارا، فلم أجب، فسكتّ فنظر في فتق الخباء فإذا شيء قد أقبل، فرفع رأسه فإذا امرأة، فقال: ما هذا؟ قالت: يا أبا سفّانة؛ أتيتك من عند صبية يتعاوون كالذئاب جوعا، فقال:
أحضريني [١]/ صبيانك، فو اللّه لأشبعنّهم. قالت: فقمت سريعا فقلت: بما ذا يا حاتم! فو اللّه ما نام صبيانك من الجوع إلّا بالتعليل [٢] فقال: و اللّه لأشبعنّ صبيانك مع صبيانها.
فلما جاءت قام إلى فرسه فذبحها، ثم قدح نارا ثم أجّجها، ثم دفع إليها شفرة، فقال: اشتوي و كلي، ثم قال: أيقظي صبيانك. قالت: فأيقظتهم [٣]، ثم قال: و اللّه إنّ هذا للؤم؛ تأكلون و أهل الصّرم [٤] حالهم مثل حالكم! فجعل يأتي الصّرم بيتا بيتا فيقول: انهضوا عليكم بالنار. قال: فاجتمعوا حول تلك الفرس، و تقنّع بكسائه فجلس ناحية، فما أصبحوا و من الفرس على الأرض قليل و لا كثير إلّا عظم و حافر، و إنه لأشدّ جوعا منهم، و ما ذاقه.
حاتم و محرّق
أتى حاتم و محرّقا [٥] فقال له محرّق: بايعني، فقال له: إنّ لي أخوين ورائي، فإن يأذنا لي أبايعك و إلّا فلا، قال: فاذهب إليهما، فإن أطاعاك فأتني بهما، و إن أبيا فأذن بحرب. فلما خرج حاتم قال [٦]:
أتاني من الرّيان [٧] أمس رسالة
و عدوى و غيّ ما يقول مواسل [٨]
/ هما سألاني: ما فعلت؟ و إنني
كذلك عما أحدثا أنا سائل
فقلت: ألا كيف الزمان عليكما؟
فقالا: بخير كلّ أرضك سائل
فقال محرّق: ما أخواه؟ قال [٩]: طرفا الجبل، فقال: و محلوفه لأجلّلنّ مواسلا الرّيط مصبوغات بالزّيت، ثم لأشعلنّه بالنار. فقال رجل من الناس: جهل مرتقى بين مداخل سبلّات [١٠]. فلما بلغ [١١] ذلك محرقا قال: لأقدمنّ
[١] ف «أحضري صبيانك»، و الخبر في الديوان ٩٧ مع اختلاف في الرواية.
[٢] التعليل: شغل الصغير عن الطعام بشيء.
[٣] ف «فأيقظتها».
[٤] الصرم: الأبيات المجتمعة المنقطعة عن الناس.
[٥] محرق: لقب عمرو بن هند.
[٦] ديوانه ٥١.
[٧] ب، س «الديان»، و المثبت من أ، ف و الديوان.
[٨] كذا في ف، و في أ، ج «و غدوا بحيّ»، و الريان و مواسل: جبلان، و قد ذكرهما زيد الخيل في شعره، قال:
أ تتمنى لسان لا أسر بذكرها
تصدع منها يذبل و مواسل
و قد سبق الريان منه بذلة
فأضحى و أعلى هضبه متضائل
و قد ذكر الريان حاتم في قوله:
لشغب من الريان أملك بابه
أنادي به آل الكبير و جعفرا
و انظر «ياقوت» و «البكري».
[٩] ف «قيل».
[١٠] سبلات: جبل من جبال أجأ و مواسل أيضا، عن نصر (البلدان).
[١١] ف «فبلغ».