الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٠٤ - يوم الصفقة
على الجيش الذي بعثه كسرى إلى اليمن، و كانت العير تحمل نبعا [١]، فكانت تبذرق [٢] من المدائن حتى تدفع إلى النعمان،/ و يبذرقها النعمان بخفراء من بني ربيعة و مضر حتى يدفعها إلى هوذة بن عليّ الحنفي، فيبذرقها حتى يخرجها من أرض بني حنيفة، ثم تدفع إلى سعد،/ و تجعل لهم جعالة، فتسير فيها، فيدفعونها إلى عمّال باذام باليمن.
فلما بعث كسرى بهذه العير قال هوذة للأساورة: انظروا الذي تجعلونه لبني تميم فأعطونيه؛ فأنا أكفيكم أمرهم، و أسير فيها معكم، حتى تبلغوا مأمنكم، فخرج هوذة و الأساورة و العير معهم من هجر، حتى إذا كانوا بنطاع بلع بني سعد ما صنع هوذة، فساروا إليهم، و أخذوا ما كان معهم، و اقتسموه و قتلوا عامّة الأساورة، و سلبوهم، و أسروا هوذة بن عليّ، فاشترى هوذة نفسه بثلاثمائة بعير، فساروا معه إلى هجر، فأخذوا منه فداءه، ففي ذلك يقول شاعر بني سعد:
و منّا رئيس القوم ليلة أدلجوا
بهوذة مقرون اليدين إلى النّحر
وردنا به نخل اليمامة عانيا
عليه وثاق القدّ و الحلق السّمر
فعمد هوذة عند ذلك إلى الأساورة الذين أطلقهم بنو سعد، و كانوا قد سلبوا، فكساهم و حملهم، ثم انطلق معهم إلى كسرى، و كان هوذة رجلا جميلا شجاعا لبيبا، فدخل عليه فقصّ أمر بني تميم و ما صنعوا، فدعا كسرى بكأس من ذهب فسقاه فيها، و أعطاه إياها و كساه قباء ديباج منسوجا بالذهب و اللؤلؤ، و قلنسوة قيمتها ثلاثون ألف درهم، و هو قول الأعشى [٣]:
له أكاليل بالياقوت فصّلها
صوّاغها لا ترى عيبا و لا طبعا
و ذكر أن كسرى سأل هوذة عن ماله و معيشته فأخبره أنه في عيش رغد، و أنه يغزو المغازي فيصيب.
فقال له كسرى في ذلك: كم ولدك؟ قال: عشرة، قال: فأيّهم أحبّ/ إليك؟ قال: غائبهم حتى يقدم، و صغيرهم حتى يكبر، و مريضهم حتى يبرأ. قال كسرى: الذي أخرج منك هذا العقل حملك على أن طلبت مني الوسيلة. و قال كسرى لهوذة: رأيت هؤلاء الذين قتلوا أساورتي، و أخذوا مالي، أبينك و بينهم صلح؟.
قال هوذة: أيها الملك بيني و بينهم حساء [٤] الموت، و هم قتلوا أبي. فقال كسرى: قد أدركت ثأرك، فكيف لي بهم؟ قال هوذة: إنّ أرضهم لا تطيقها أساورتك، و هم يمتنعون بها، و لكن احبس عنهم الميرة، فإذا فعلت ذلك بهم سنة أرسلت معي جندا من أساورتك، فأقيم لهم السوق؛ فإنهم يأتونها، فتصيبهم عند ذلك خيلك.
ففعل كسرى ذلك، و حبس عنهم الأسواق في سنة مجدبة، ثم سرّح إلى هوذة فأتاه، فقال: ائت هؤلاء فاشفني منهم، و اشتف. و سرّح معهم جوار بودار [٥] و رجلا من أردشيرخرّه. فقال لهوذة: سر مع رسولي هذا، فسار في ألف أسوار حتى نزلوا المشقر من أرض البحرين، هو حصن هجر.
[١] أ، ج «نبفا». و النبع: شجر القسي.
[٢] تبذرق: تخفر.
[٣] ديوانه ١٠٧.
[٤] حساء الموت: شربه و تجرعه.
[٥] كذا ضبط في أ، م و في ج «جوار يودار».