الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٠١ - أمر عبد الرحمن بن حسان و كريم بن عفيف مع معاوية
إنّا قد أمرنا أن نعرض عليكم البراءة من عليّ و اللّعن له، فإن فعلتم هذا تركناكم، و إن أبيتم قتلناكم، و أمير المؤمنين يزعم أنّ دماءكم قد حلّت بشهادة أهل مصركم عليكم، غير أنه قد عفا عن ذلك فابرءوا من هذا الرجل يخل سبيلكم. قالوا: لسنا فاعلين؛ فأمر [١]/ بقيودهم [٢] فحلّت، و أتي بأكفانهم فقاموا الليل كلّه يصلّون. فلما أصبحوا قال أصحاب معاوية: يا هؤلاء، قد رأيناكم البارحة أطلتم الصلاة،/ و أحسنتم الدعاء، فأخبرونا ما قولكم في عثمان، قالوا: هو أوّل من جار في الحكم، و عمل بغير الحق. فقالوا: أمير المؤمنين كان أعرف بكم. ثم قاموا إليهم و قالوا: تبرءون من هذا الرجل؟ قالوا: بل نتولّاه.
فأخذ كلّ رجل منهم رجلا يقتله، فوقع قبيصة في يدي أبي صريف البدريّ، فقال له قبيصة: إنّ الشرّ بين قومي و قومك أمين [٣]، أي آمن فليقتلني غيرك، فقال: برّتك رحم. فأخذ الحضرميّ فقتله.
و قتل القضاعيّ صاحبه، ثم قال لهم حجر: دعوني أصلّي ركعتين، فإني و اللّه ما توضّأت قطّ إلّا صلّيت، فقالوا له: صلّ، فصلّى ثم انصرف، فقال: و اللّه ما صليت صلاة قطّ أقصر منها، و لو لا أن يروا أنّ ما بي جزع من الموت لأحببت أن أستكثر منها، ثم قال: اللهم إنّا نستعديك على أمّتنا، فإنّ أهل الكوفة قد شهدوا علينا، و إن أهل الشأم يقتلوننا، أما و اللّه لئن قتلتمونا فإني أوّل فارس من المسلمين سلك [٤] في واديها، و أوّل رجل من المسلمين نبحته كلابها، فمشى إليه هدبة بن الفيّاض الأعور بالسيف، فأرعدت خصائله [٥]، فقال: كلّا، زعمت أنك لا تجزع من الموت، فإنا ندعك، فابرأ من صاحبك. فقال: ما لي لا أجزع، و أنا أرى قبرا محفورا، و كفنا منشورا، و سيفا مشهورا، و إني و اللّه إن جزعت لا أقول ما يسخط الربّ، فقتله.
أمر عبد الرحمن بن حسان و كريم بن عفيف مع معاوية
و أقبلوا يقتلونهم واحدا واحدا حتى قتلوا ستّة نفر، فقال عبد الرحمن بن حسان و كريم بن عفيف [٦]: ابعثوا بنا إلى أمير المؤمنين، فنحن نقول في هذا الرجل مثل مقالته. فبعثوا إلى معاوية فأخبروه، فبعث: ائتوني بهما. فالتفتا إلى حجر، فقال له العنزيّ: لا تبعد يا حجر، و لا يبعد مثواك؛ فنعم أخو الإسلام كنت، و قال الخثعميّ نحو ذلك.
ثم مضى بهما، فالتفت العنزيّ، فقال متمثلا:
كفى بشفاة القبر [٧] بعد لهالك
و بالموت قطّاعا لحبل القرائن
فلما دخل عليه الخثعميّ قال له: اللّه اللّه يا معاوية! إنك منقول من هذه الدار الزائلة إلى الدار الآخرة الدائمة، و مسئول عما أردت بقتلنا، و فيما سفكت دماءنا. فقال: ما تقول في علي؟ قال: أقول فيه قولك، أ تبرأ من دين عليّ الذي كان يدين اللّه به! و قام شمر بن عبد اللّه الخثعميّ فاستوهبه، فقال: هو لك، غير أني حابسه شهرا، فحبسه، ثم
[١] في أ، م، ب، س «فأمروا» و المثبت من المختار و الطبري.
[٢] الطبري «فأمر بقبورهم فحفرت».
[٣] س «أمن»، و كذلك في الطبري.
[٤] أ و الطبري «هلك».
[٥] الخصيلة: القطعة من اللحم، أو لحم الفخذين و العضدين و الذراعين، أو كل عصبة فيها لحم غليظ، و الجمع خصائل. و في «بيروت»: «فصائله».
[٦] أ «عقيف».
[٧] شفاة القبر: حرفه و مدخله.