الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٣٧ - عبد الله بن الزبير يرثي معاوية
يزيد و عنبسة في حضرة معاوية و هو يحتضر
فلما احتضر معاوية حضره يزيد بن معاوية، و عنبسة بن أبي سفيان، فبكى يزيد إلى عنبسة، و قال:
لو فات شيء يرى لفات أبو
حيّان [١] لا عاجز و لا وكل
الحوّل القلّب الأريب و لن
يدفع زوء المنية الحيل [٢]
/ فسمعهما معاوية بعد أن ردّدهما مرارا، فقال: يا بنيّ، إنّ أخوف ما أخاف على نفسي شيء صنعته قبل ذلك، إني كنت أوضّئ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، فكساني قميصا، و أخذت شعرا من شعره، فإذا أنا متّ فكفّنّي في قميصه، و اجعل الشّعر في منخري و أذني و فمي، و خلّ بيني و بين ربّي، لعل ذلك ينفعني شيئا.
قال العباس بن ميمون: فقلت للقحذميّ: هذا غلط، و الدليل على ذلك أنّ أبا عدنان حدثني- و ها هو حيّ فاسأله- عن الهيثم بن عديّ، عن ابن عياش، عن الشعبيّ:
/ أنّ معاوية مات و يزيد بالصائفة، فأتاه البريد بنعيه، فأنشأ يقول:
جاء البريد بقرطاس يخبّ به
فأوجس القلب من قرطاسه فزعا
قلنا: لك الويل، ما ذا في صحيفتكم؟
قال: الخليفة أمسى مثبتا وجعا
مادت بنا الأرض أو كادت تميد بنا
كأنّ ما عزّ من أركانها انقلعا
من لم تزل نفسه توفي على وجل [٣]
توشك مقادير تلك النفس أن تقعا
لما وردت و باب القصر منطبق
لصوت رملة هدّ القلب فانصدعا
الضحاك بن قيس يتولى غسل معاوية و دفنه
و كان الذي تولّى غسله و دفنه الضحاك بن قيس، فخطب الناس، فقال: إنّ ابن هند قد توفّي، و هذه أكفانه على المنبر، و نحن مدرجوه فيها، و مخلّون بينه و بين ربّه، ثم هو البرزخ إلى يوم القيامة. و لو كان يزيد حاضرا لم يكن للضحاك و لا غيره أن يفعل من هذا شيئا.
قال العباس: فسكت القحذميّ، و ما ردّ عليّ شيئا.
عبد اللّه بن الزبير يرثي معاوية
أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء، قال: حدثني الزّبير بن بكّار، قال: حدثني عمّي، عن جدّي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال:
صلّى بنا عبد اللّه بن الزّبير يوما، ثم انفتل من الصلاة، فنشج [٤]، و كان قد نعي له معاوية، ثم قال: رحم اللّه
[١] أ «حبان»، و المثبت من ج، م، ب، س.
[٢] في «اللسان» (زوأ): زوه المنية: ما يحدث من المنية. و في هامش أ: «زوء المنية: قدرها».
[٣] أ: فوقها «شرف»، و عليها علامة الصحة.
[٤] نشج الباكي: غص بالبكاء في حلقه من غير انتحاب.