الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٢ - امتناعه من الذهاب إليها
٢خبر ابن سريج مع سكينة بنت الحسين عليهما السّلام
أخبرني الحسين بن يحيى، عن حماد، عن أبيه، عن مصعب الزّبيريّ، قال: حدثني شيخ من المكيّين، و وجدت هذا الخبر أيضا في بعض الكتب مرويّا عن محمد بن سعد كاتب الواقدي، عن مصعب، عن شيخ من المكيّين، و الرواية عنهما متّفقة، قال:
امتناعه من الغناء و قدومه المدينة للاستشفاء
كان ابن سريج قد أصابته/ الريح الخبيثة، و آلى يمينا ألّا يغنّي، و نسك و لزم المسجد الحرام حتى عوفي. ثم خرج و فيه بقيّة من العلّة، فأتى قبر النبيّ صلّى اللّه عليه و سلم و موضع مصلّاه.
فلما قدم المدينة نزل على بعض إخوانه من أهل النّسك و القراءة، فكان أهل الغناء يأتونه مسلّمين عليه، فلا يأذن لهم في الجلوس و المحادثة، فأقام بالمدينة حولا حتى لم يحسّ من علّته بشيء، و أراد الشخوص إلى مكة.
سكينة ترغب في الاستماع منه
و بلغ ذلك سكينة بنت الحسين، فاغتمّت اغتماما شديدا، و ضاق به ذرعها، و كان أشعب يخدمها، و كانت تأنس بمضاحكته و نوادره، و قالت لأشعب: ويلك! إنّ ابن سريج شخص، و قد دخل المدينة منذ حول، و لم أسمع من غنائه قليلا و لا كثيرا، و يعزّ ذلك عليّ، فكيف الحيلة في الاستماع منه، و لو صوتا واحدا؟ فقال لها أشعب:
جعلت فداك! و أنّى لك بذلك و الرجل اليوم زاهد و لا حيلة فيه؟ فارفعي طمعك، و الحسي تورك [١] تنفعك حلاوة فمك.
/ فأمرت بعض جواريها فوطئن بطنه حتى كادت أن تخرج أمعاؤه، و خنقنه حتى كادت نفسه أن تتلف، ثم أمرت به فسحب على وجهه حتى أخرج من الدار إخراجا عنيفا. فخرج على أسوإ الحالات، و اغتمّ أشعب غمّا شديدا، و ندم على ممازحتها في وقت لم ينبغ له ذلك؛ فأتى منزل ابن سريج ليلا فطرقه، فقيل: من هذا؟ فقال:
أشعب، ففتحوا له، فرأى على وجهه و لحيته التراب، و الدّم سائلا من أنفه و جبهته على لحيته، و ثيابه ممزّقة، و بطنه و صدره و حلقه قد عصرها الدّوس و الخنق، و مات الدم فيها، فنظر ابن سريج إلى منظر فظيع هاله و راعه، فقال له:
ما هذا ويحك؟ فقصّ عليه القصة.
امتناعه من الذهاب إليها
فقال ابن سريج: إنا للّه و إنا إليه راجعون! ما ذا نزل بك؟ و الحمد للّه الذي سلّم نفسك، لا تعودنّ إلى هذه
[١] في بعض النسخ: و امسحي بوزك. و المثبت في (ج) و التّور بالفتح: إناء يشرب فيه.