الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٦٣ - قصته مع الشيباني
فقال عمر لزيد الخيل: للّه درّك يا أبا مكنف [١] فلو لم يكن لطيئ غيرك و غير عديّ بن حاتم لقهرت بكما العرب.
قصته مع الشيباني
/ أخبرني ابن دريد، قال: أخبرني عمّي، عن أبيه، عن ابن الكلبيّ، عن أبيه، قال: أخبرني شيخ من بني نبهان، قال:
أصابت بني شيبان سنة ذهبت بالأموال، فخرج رجل منهم بعياله، حتى أنزلهم الحيرة، فقال لهم: كونوا قريبا من الملك يصبكنّ من خيره حتى أرجع إليكنّ، و آلى أليّة لا يرجع حتى يكسبهنّ خيرا أو يموت. فتزوّد زادا، ثم مشى يوما إلى الليل، فإذا هو بمهر مقيّد يدور حول خباء. فقال: هذا أوّل الغنيمة، فذهب يحلّه و يركبه، فنودي:
خلّ عنه و اغنم نفسك، فتركه، و مضى سبعة أيام حتى انتهى إلى عطن إبل مع تطويل الشمس، فإذا خباء عظيم و قبّة من أدم، فقال في نفسه:/ ما لهذا الخباء بدّ من أهل، و ما لهذه القبة بدّ من ربّ، و ما لهذا العطن بدّ من إبل، فنظر في الخباء، فإذا شيخ كبير قد اختلفت ترقوتاه، كأنه نسر.
قال: فجلست خلفه، فلما وجبت [٢] الشمس إذا فارس قد أقبل لم أر فارسا قطّ أعظم منه و لا أجسم، على فرس مشرف و معه أسودان يمشيان جنبيه، و إذا مائة من الإبل مع فحلها، فبرك الفحل، و بركت حوله، و نزل الفارس، فقال لأحد عبديه: احلب فلانة، ثم اسق الشيخ، فحلب في عسّ [٣] حتى ملأه، و وضعه بين يدي الشيخ و تنحى، فكرع منه الشيخ مرّة أو مرّتين، ثم نزع، فثرت إليه فشربته، فرجع إليه العبد. فقال: يا مولاي، قد أتى على آخره، ففرح بذلك، و قال: احلب فلانة، فحلبها، ثم وضع العسّ بين يدي الشيخ، فكرع منه واحدة، ثم نزع، فثرت إليه فشربت نصفه، و كرهت/ أن آتي على آخره، فاتّهم [٤]، فجاء العبد فأخذه و قال لمولاه: قد شرب و روي، فقال: دعه، ثم أمر بشاة فذبحت، و شوى للشيخ منها، ثم أكل هو و عبداه، فأمهلت حتى إذا ناموا و سمعت الغطيط ثرت إلى الفحل، فحللت عقاله و ركبته، فاندفع بي و تبعته الإبل، فمشيت ليلتي حتى الصباح، فلما أصبحت نظرت فلم أر أحدا، فشللتها إذا شلّا [٥] عنيفا حتى تعالى النهار، ثم التفتّ التفاتة فإذا أنا بشيء كأنه طائر، فما زال يدنو حتى تبيّنته، فإذا هو فارس على فرس، و إذا هو صاحبي بالأمس، فعقلت الفحل، و نثلت كنانتي، و وقفت بينه و بين الإبل، فقال: احلل عقال الفحل، فقلت: كلّا و اللّه، لقد خلّفت نسيّات بالحيرة، و آليت أليّة لا أرجع حتى أفيدهن خيرا أو أموت. قال: فإنك لميّت، حلّ عقاله، لا أمّ لك! فقلت: ما هو إلّا ما قلت لك، فقال: إنك لمغرور: انصب لي خطامه، و اجعل فيه خمس عجر [٦] ففعلت، فقال: أين تريد أن أضع سهمي؟ فقلت: في هذا الموضع، فكأنما وضعه بيده، ثم أقبل يرمي حتى أصاب الخمسة بخمسة أسهم، فرددت نبلي، و حططت قوسي،
[١] أبو مكنف، كمحسن: كنية زيد الخيل.
[٢] وجبت الشمس: غربت.
[٣] العس: القدح العظيم.
[٤] ب، س «فإنهم»، تحريف.
[٥] في المختار «فشللته»، و شل الإبل: طردها.
[٦] العجر: جمع عجرة، و هي العقدة.