الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٨٣ - استجابة الأوس لما أراده حضير
تولية الخزرج عمرو بن النعمان أمر حربهم
و تابع عبد اللّه بن أبيّ رجال من الخزرج، منهم عمرو بن الجموح الحراميّ. و اجتمع كلام الخزرج على أن رأسوا عليهم عمرو بن النعمان البيّاضيّ، و ولّوه أمر حربهم، و لبثت الأوس و الخزرج أربعين ليلة يتصنّعون للحرب، و يجمع بعضهم لبعض، و يرسلون إلى خلفائهم من قبائل العرب.
حضير الكتائب يحرض الأوس على القتال
فأرسلت الخزرج إلى جهينة و أشجع، فكان الذي ذهب إلى أشجع ثابت بن قيس بن شمّاس، فأجابوه،/ و أقبلوا إليهم، و أقبلت جهينة إليهم أيضا. و أرسلت الأوس إلى مزينة، و ذهب حضير الكتائب الأشهليّ إلى أبي قيس بن الأسلت، فأمره أن يجمع له أوس اللّه، فجمعهم له أبو قيس، فقام حضير، فاعتمد على قوسه، و عليه نمرة [١] تشفّ عن عورته، فحرّضهم/ و أمرهم بالجدّ في حربهم، و ذكر ما صنعت بهم الخزرج من إخراج النّبيت و إذلال من تخلّف من سائر الأوس، في كلام كثير.
استجابة الأوس لما أراده حضير
فجعل كلّما ذكر ما صنعت بهم الخزرج و ما ركبوه منهم يستشيط و يحمى، و تقلص [٢] خصيتاه، حتى تغيبا، فإذا كلّموه بما يحبّ تدلّتا حتى ترجعا إلى حالهما. فأجابته أوس اللّه بالذي يحبّ من النّصرة و الموازرة و الجدّ في الحرب.
قال هشام: فحدثني عبد المجيد بن أبي عيسى، عن خير [٣]، عن أشياخ من قومه: أن الأوس اجتمعت يومئذ إلى حضير بموضع يقال له الجباة [٤]، فأجالوا الرّأي، فقالت الأوس: إن ظفرنا بالخزرج لم نبق منهم أحدا و لم نقاتلهم كما كنا نقاتلهم. فقال حضير: يا معشر الأوس؛ ما سمّيتم الأوس إلّا لأنكم تئوسون [٥] الأمور الواسعة. ثم قال:
يا قوم قد أصبحتم دوارا [٦]
لمعشر قد قتلوا الخيارا
يوشك أن يستأصلوا الدّيارا
قال: و لما اجتمعت بالجباة طرحوا بين أيديهم تمرا، و جعلوا يأكلون/ و حضير الكتائب جالس، و عليه بردة له قد اشتمل بها الصمّاء [٧]، و ما يأكل معهم، و لا يدنو إلى التمر غضبا و حنقا.
[١] النمرة: بردة من صوت يلبسها الأعراب.
[٢] تقلص: تنقبض.
[٣] في أ «عن حبر».
[٤] كذا في المختار. و الجباة: ما حول البئر، أو أنه مخفف الجبأة، بمعنى الأكمة.
[٥] في «اللسان» «أوس» و أوس قبيلة من اليمن، و اشتقاقه من آس يئوس أوسا، و الاسم الإياس، و هو من العوض.
[٦] أصل الدوار صنم كانت العرب تنصبه و يجعلون موضعا حوله يدورون به، و اسم ذلك الصنم و الموضع الدوار، و هو بالضم، و قد يفتح. قال في «اللسان» و الأشهر في اسم الصنم دوار بالفتح. و منه قول امرئ القيس في معلقته:
عذارى دوار في طلاء مذبّل
[٧] في «اللسان»: «اشتمال الصماء: أن تجلل جسدك بثوبك، نحو شملة الأعراب بأكسيتهم؛ و هو أن يردّ الكساء من قبل يمينه على يده اليسرى و عاتقه الأيسر، ثم يردّه ثانية من خلفه على يده اليمنى و عاتقه الأيمن فيغطيهما جميعا».