الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٥١ - سرقته شعر أبي نواس
جاءنا العباس بن الأحنف يوما و هو كئيب، فنشّطناه فأبى أن ينشط، فقلنا: ما دهاك؟ فقال: لقيتني فوز اليوم، فقالت لي: يا شيخ! و ما قالت ذلك إلّا من حادث ملال. فقلنا له: هوّن عليك؛ فإنها امرأة لا تثبت على حال، و ما أرادت إلا العبث بك و المزاح معك. فقال: إني و اللّه قد قلت أقبح مما قالت، ثم أنشدنا [١]:
هزئت إذ رأت كئيبا معنى [٢]
أ قصدته الخطوب فهو حزين
هزئت بي و نلت ما شئت منها
يا لقومي فأيّنا المغبون!
فقلت له: قد انتصفت و زدت.
يمن جارية فوز تزعم أنه راودها
أخبرني محمد بن يحيى، قال: حدثنا علي بن الصبّاح، قال: حدثنا أبو ذكوان، قال:
كانت لفوز جارية يقال لها يمن، و كانت تجيء إلى العباس برسالتها، فمضت إلى فوز، و قد طلبت من العباس شيئا فمنعها إيّاه، و زعمت أنه أرادها و دعاها إلى نفسه، فغضبت فوز من ذلك، فكتب إليها [٣]:
لقد زعمت يمن بأني أردتها
على نفسها، تبّا لذلك من فعل
سلوا عن قميصي مثل شاهد يوسف
فإنّ قميصي لم يكن قد من قبل [٤]
معاتبة فوز له في جفائه و رده عليها
أخبرني محمد، قال: حدثنا أحمد بن إسماعيل، قال: حدثني سعيد بن حميد، قال:
كانت فوز قد مالت إلى بعض أولاد الجند، و بلغ ذلك العباس، فتركها و لم ترض هي البديل بعد ذلك، فعادت إلى العباس، و كتبت إليه تعاتبه في جفائه؛ فكتب إليها:
كتبت تلوم و تستريب زيارتي
و تقول لست لنا كعهد العاهد [٥]
/ فأجبتها و دموع عيني جمّة
تجري على الخدّين غير جوامد!
يا فوز لم أهجركم لملالة
منّي و لا لمقال واش حاسد
لكنّني جرّبتكم فوجدتكم
لا تصبرون على طعام واحد
سرقته شعر أبي نواس
و قد أنشدني عليّ بن سليمان الأخفش هذه الأبيات، و قال: سرقها من أبي نواس حيث يقول:
صوت
و مظهرة لخلق اللّه ودّا
و تلقى بالتحيّة و السلام
أتيت فؤادها أشكو إليه
فلم أخلص إليه من الزّحام
[١] الديوان ٢٦٠.
[٢] في أ «كبيرا»، و في الديوان «أن رأت غلاما».
[٣] ديوانه ٢١٣.
[٤] إشارة إلى ما جاء في سورة يوسف ٢٦: إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَ هُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ.
[٥] ديوانه ١٠٦، و فيه «و تستريث زيارتي».