الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٧٦ - يطلب رأي ابن هشام في كتاب سيصنعه
٩خبر لإسحاق و ابن هشام
و هذا الشعر يقوله في عليّ بن هشام أيام كان إسحاق بالبصرة، و له إليه رسالة حسنة، هذا موضع ذكرها، أخبرنا بها عليّ بن يحيى المنجّم، عن أبيه، و وقعت إلينا من عدّة وجوه:
رسالته إلى علي بن هشام
أن إسحاق كتب إلى عليّ بن هشام: «جعلت فداك! بعث إليّ أبو نصر مولاك بكتاب منك إليّ يرتفع عن قدري، و يقصر عنه شكري، فلو لا ما أعرف من معانيه لظننت أنّ الرسول غلط بي فيه، فما لنا و لك يا عبد اللّه، تدعنا حتى إذا أنسينا الدنيا و أبغضناها، و رجونا السلامة من شرّها، أفسدت قلوبنا و علّقت أنفسنا، فلا أنت تريدنا، و لا أنت تتركنا؛ فبأيّ شيء تستحلّ هذا! فأما ما ذكرته من شوقك/ إليّ فلولا أنك حلفت عليه لقلت:
يا من شكا عبثا إلينا شوقه
شكوى المحبّ و ليس بالمشتاق
لو كنت مشتاقا إليّ تريدني
ما طبت نفسا ساعة بفراقي
و حفظتني حفظ الخليل خليله
و وفيت لي بالعهد و الميثاق
هيهات قد حدثت أمور بعدنا
و شغلت باللذّات عن إسحاق
و قد تركت- جعلت فداك- ما كرهت من العتاب في الشعر و غيره، و قلت أبياتا لا أزال أخرج بها إلى ظهر المربد، و أستقبل الشّمال، و أتنسّم أرواحكم فيها، ثم يكون ما اللّه أعلم به، و إن كنت تكرهها تركتها إن شاء اللّه:
ألا قد أرى أنّ الثّواء قليل
و أن ليس يبقى للخليل خليل
و إني و إن مكّنت [١] في العيش حقبة
كذي سفر قد حان منه رحيل
/ فهل لي إليّ أن تنظر العين مرّة
إلى ابن هشام في الحياة سبيل؟!
فقد خفت أن ألقى المنايا بحسرة
و في النفس منه حاجة و غليل
و أمّا بعد، فإني أعلم أنك- و إن لم تسل عن حالي- تحبّ أن تعلمها و أن تأتيك عنّي سلامة؛ فأنا يوم كتبت إليك سالم البدن، مريض القلب.
يطلب رأي ابن هشام في كتاب سيصنعه
و بعد: فأنا- جعلت فداك- في صنعة كتاب مليح ظريف، فيه تسمية القوم و نسبهم و بلادهم، و أسبابهم و أزمنتهم، و ما اختلفوا فيه من غنائهم، و بعض أحاديثهم، و أحاديث قيان الحجاز و الكوفة و البصرة المعروفات و المذكورات، و ما قيل فيهنّ من الأشعار، و لمن كنّ، و إلى من صرن، و من كان يغشاهنّ، و من كان يرخّص في
[١] في هامش أ من نسخة «و إن مليت».