السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٠٧ - باب ذكر نبذ من معجزاته
و إخباره (صلى اللّه عليه و سلم) بالمغيبات باب واسع. منه الإخبار بالحوادث الكائنة بعده إلى آخر الزمان. و الإخبار عن أحوال يوم القيامة من القضاء و الحشر و الحساب، و الإخبار عن الجنة و النار.
فعن حذيفة رضي اللّه تعالى عنه: «لقد حدثني رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بما يكون حتى تقوم الساعة» و صلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) الصبح يوما و صعد المنبر فخطب حتى حضرت الظهر فنزل فصلى الظهر، ثم صعد المنبر فخطب حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلى العصر، ثم صعد المنبر فخطب حتى غربت الشمس فأخبر بما كان و بما هو كائن.
و من ذلك أيضا قوله (صلى اللّه عليه و سلم) لمعاذ لما بعثه إلى اليمن في جماعة من المهاجرين و الأنصار: «يا معاذ إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا، و لعلك أن تمر بمسجدي غدا و قبري» و كان كذلك، توفي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و معاذ باليمن، و لم يتقدم إلا في خلافة أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه.
و من ذلك قوله (صلى اللّه عليه و سلم): «سنفتح عليكم مصر، فاستوصوا بأهلها خيرا، فإن لهم رحما و صهرا، و المراد بالرحم، أم إسماعيل بن إبراهيم عليهما الصلاة و السلام جده (صلى اللّه عليه و سلم) فإنها كانت قبطية، و المراد بالصهر أم ولده إبراهيم عليه الصلاة و السلام لأنها كانت قبطية كما علمت.
و منها إجابة دعائه (صلى اللّه عليه و سلم) غير ما تقدم: فمن ذلك دعاؤه (صلى اللّه عليه و سلم) لثعلبة بن حاطب الأنصاري أي غير البدري، لأن ذاك قتل بأحد، و هذا تأخر إلى زمن عثمان رضي اللّه تعالى عنه كما سيأتي خلافا لمن و هم في ذلك، لأن من شهد بدرا لا يدخل النار:
و كثيرا ما يقع الاشتراك في الاسم و اسم الأب كما قال بعض الصحابة، و هو طلحة بن عبيد اللّه: لئن مات محمد (صلى اللّه عليه و سلم) لأتزوجن عائشة من بعده، فأنزل اللّه تعالى: وَ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ [الأحزاب: الآية ٥٣] الآية، ظن بعضهم أن المراد بطلحة هذا أحد العشرة المبشرين بالجنة، و حشاة من ذلك، و هو أجلّ مقاما من أن يصدر منه مثل ذلك.
و لما قال ثعلبة بن حاطب له: يا رسول اللّه ادع اللّه أن يرزقني مالا، فقال له (صلى اللّه عليه و سلم): ويحك يا ثعلبة، قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه، ثم أتاه مرة أخرى فقال: يا رسول اللّه ادع اللّه أن يرزقني مالا، فقال له (صلى اللّه عليه و سلم): ويحك يا ثعلبة أ ما ترضى أن تكون مثل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فو الذي نفسي بيده، لو سألت ربي أن يسير الجبال معي ذهبا و فضة لسارت، فقال: و الذي بعثك بالحق لئن دعوت اللّه أن يرزقني مالا لأوتين كل ذي حق حقه، فقال النبي (صلى اللّه عليه و سلم): اللهم ارزق ثعلبة مالا، فاتخذ غما فصارت تنمى كما ينمى الدود، و ضاقت عليه المدينة فتنحى عنها فنزل واديا من