السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤١٧ - باب نبذة من خصائصه
و المشاورة في أمر الدين و الدنيا لذوي من الأحلام من الأمور الاجتهادية. و عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنهما ما رأيت أحدا أكثر مشورة لأصحابه من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما لما نزلت هذه الآية: وَ شاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [آل عمران: الآية ١٥٩] قال النبي (صلى اللّه عليه و سلم): «إن اللّه و رسوله غنيان عنها، و لكن جعلها اللّه رحمة في أمتي، فمن شاور منهم لم يعدم رشدا، و من ترك المشورة منهم لم يعدم غيا» و قد و قيل:
الاستشارة حصن من الندامة و مصابرة العدو و إن كثر.
و في الحاوي للماوردي: «أنه (صلى اللّه عليه و سلم) كان إذا بارز رجلا لا ينفك عنه قبل قتله» هذا كلامه، و لم أقف على أنه (صلى اللّه عليه و سلم) بارز أحدا.
و قضاء دين من مات معسرا من المسلمين، و أداء الجنايات و الكفارات عن من لزمته و هو معسر، و تخيير نسائه (صلى اللّه عليه و سلم) بين الدنيا و الآخرة أي بين زينة الدنيا و مفارقته، بين اختيار الآخرة و البقاء في عصمته، و أن من اختارت الدنيا يفارقها و من اختارت الآخرة يمسكها و لا يفارقها: أي لأن اللّه تعالى قال لنبيه (صلى اللّه عليه و سلم): يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَ زِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَ أُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا (٢٨) وَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ الدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً (٢٩) [الأحزاب: الآية ٢٨، ٢٩].
قيل اختلف سلف هذه الأمة في سبب نزول هذه الآية على تسعة أقوال: فقد قيل نزلت لما طلبن منه (صلى اللّه عليه و سلم) زيادة في النفقة، فاعتزلهن شهرا، ثم أمر بتخييرهن فيما ذكر كما تقدم.
عن جابر رضي اللّه تعالى عنه، قال: جاء أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه يستأذن على النبي (صلى اللّه عليه و سلم) فوجد الناس جلوسا ببابه ليأذن لهم، قال: فأذن لأبي بكر فدخل ثم أقبل عمر فاستأذن فأذن له فوجدا النبي (صلى اللّه عليه و سلم) جالسا حوله نساؤه، أي قد سألنه النفقة و هو حاجم ساكت لا يتكلم، فقال عمر رضي اللّه تعالى عنه: لأقولن شيئا أضحك النبي (صلى اللّه عليه و سلم) فقال: يا رسول اللّه لو رأيت فلانة يعني زوجته سألتني النفقة فقمت إليها فوجأت عنقها، فضحك النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و قال: هن حولي كما ترى يسألنني النفقة، فقام أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه إلى عائشة فوجأ عنقها و قام عمر رضي اللّه تعالى عنه إلى حفصة فوجأ عنقها، و كل يقول: تسألن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ما ليس عنده، ثم أقسم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أن لا يجتمع بهن شهرا.
فعن عمر رضي اللّه تعالى عنه أنه ذكر أن بعض أصدقائه من الأنصار جاء إليه ليلا و دق عليه بابه و ناداه، قال عمر: فخرجت إليه فقال: حدث أمر عظيم. فقلت ما ذا؟ أجاءت غسان، لأنا كنا حدثنا أن غسان تنعل الخيل لغزونا، فقال: لا، بل أعظم من ذلك و أطول، طلق رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) نساءه، فقلت: خابت حفصة و خسرت،