السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٠٠ - باب يذكر فيه ما يتعلق بالوفود التي وفدت عليه
و السلام برمتهم و جميع ما فيهم نطية بيت و نفذت، و سلمت ذلك لهم و لأعقابهم من بعدهم أبد الأبد، فمن آذاهم آذاه اللّه، شهد بذلك أبو بكر بن أبي قحافة، و عمر بن الخطاب و عثمان بن عفان، و علي بن أبي طالب، و معاوية بن أبي سفيان، و كتب نقل ذلك في المواهب و أقره.
و خطب (صلى اللّه عليه و سلم) خطبة، قال فيها: حدثني تميم الداري، و ذكر خبر الجساسة: أي لأن تميما رضي اللّه عنه أخبره (صلى اللّه عليه و سلم) أنه ركب البحر فتاهت به سفينته. فسقطوا إلى جزيرة فخرجوا إليها يلتمسون الماء فلقي إنسانا يجر شعره، فقال له: من أنت؟ قال:
أنا الجساسة، قالوا: فأخبرنا، قال: لا أخبركم و لكن عليكم بهذه الجزيرة فدخلناها، فإذا رجل مقيد، فقال: من أنتم؟ قلنا ناس من العرب، قال: ما فعل هذا النبي الذي خرج فيكم؟ قلنا قد آمن به الناس و اتبعوه و صدقوه، قال: فإن ذلك خير لهم، قال:
أ فلا تخبروني عن عين ذعر ما فعلت؟ فأخبرناه عنها، فوثب وثبة، ثم قال: ما فعل نخل بيسان العرب، هل أطعم بتمر؟ فأخبرناه أنه قد أطعم، فوثب مثلها، فقال: أما لو قد أذن لي في الخروج لو طئت البلاد كلها غير طيبة، فأخرجه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فحدث الناس، فقال: هذه طيبة و ذاك الدجال، قال ابن عبد البر: و هذا أولى ما يخرجه المحدثون في رواية الكبار عن الصغار، أي كما تقدم.
و وفد عليه (صلى اللّه عليه و سلم) و هو في خيبر الأشعريون صحبة أبي موسى الأشعري، و صحبوا جعفر بن أبي طالب من الحبشة، و قال (صلى اللّه عليه و سلم) فيهم كما تقدم: «أتاكم أهل اليمن أرق أفئدة و ألين قلوبا، الإيمان يمان، و الحكمة يمانية» و قال في حق أهل اليمن: «يريد أقوام أن يضعوهم و يأبى اللّه إلا أن يرفعهم» و الأشعري نسبه إلى أشعر، و اسمه نبت بن أدد بن يشجب، و إنما قيل له أشعر، لأن أمه ولدته و الشعر على بدنه.
قال: و لما فتحت مكة و دانت له (صلى اللّه عليه و سلم) قريش عرفت العرب أنه لا طاقة لهم بحرب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و لا بعداوته، لأن قريشا كانت قادة العرب و دخلوا في دين اللّه أفواجا.
قال في النهاية: الوفد القوم يجتمعون و يردون البلاد واحدهم وافد اه.
و الوفد رسول القوم يقدمهم، و قد يراد به ما هو أعم من ذلك، فيشمل من قدم غير رسول اللّه، و حينئذ يكون من ذلك كعب بن زهير رضي اللّه تعالى عنه فإنه قدم على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم).
و سبب ذلك أن أخاه بجير بن زهير خرج يوما هو و كعب في غنم لهما، فقال لأخيه كعب اثبت في الغنم حتى آتي هذا الرجل، يعني النبي (صلى اللّه عليه و سلم) فأسمع كلامه و أعرف ما عنده، فأقام كعب و مضى بجير، فأتى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و سمع كلامه و آمن به، و ذلك أن أباهما زهيرا كان يجالس أهل الكتاب و يسمع منهم أنه قد آن مبعثه