السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٣٢ - فتح مكة شرفها اللّه تعالى
و في رواية: ضربها بالرمح فسقطت من على الجمل على صخرة، أي و كانت حاملا فألقت ما في بطنها و أهراقت الدماء، و لم يزل بها مرضها ذلك حتى ماتت كما تقدم، فقال النبي (صلى اللّه عليه و سلم): «و إن لقيتم هبارا فأحرقوه»، ثم قال: «إنما يعذب بالنار رب النار». إن ظفرتم به فاقطعوا يده و رجله ثم اقتلوه فلم يوجد يوم الفتح ثم أسلم بعد ذلك و حسن إسلامه. و يذكر أنه لما أسلم و قدم المدينة مهاجرا جعلوا يسبونه، فذكر ذلك للنبي (صلى اللّه عليه و سلم)، فقال: سب من سبك فانتهوا عنه» و هذا السياق يدل على إنه أسلم قبل أن يذهب إلى المدينة.
و في لفظ: و لما رجع النبي (صلى اللّه عليه و سلم) إلى المدينة جاء هبار رافعا صوته و قال: «يا محمدا أنا جئت مقرا بالإسلام و أنا أشهد أن لا إله إلا اللّه و أن محمدا عبده و رسوله» و اعتذر إليه أي قال له (صلى اللّه عليه و سلم) بعد أن وقف عليه و قال: السلام عليك يا نبي اللّه لقد هربت منك في البلاد فأدرت اللحوق بالأعجام، ثم ذكرت عائدتك و فضلك في صفحك عمن جهل عليك، و كنا يا نبي اللّه أهل شرك فهدانا اللّه بك، و أنقذنا بك من الهلكة، فاصفح عن جهلي و عما كان مني فأني مقر بسوء فعلي، معترف بذنبي، فقال النبي (صلى اللّه عليه و سلم): «يا هبار عفوت عنك، و قد أحسن اللّه إليك حيث هداك إلى الإسلام، و الإسلام يجب ما كان قبله».
و قوله مهاجرا، فيه أنه لا هجرة بعد فتح مكة، إلا أن يقال هي مجاز عن مجرد الانتقال عن محل إلى آخر أخذا مما يأتي إن شاء اللّه في عكرمة.
و أما عكرمة بن أبي جهل رضي اللّه عنه فإنه (صلى اللّه عليه و سلم) إنما أمر بقتله لأنه كان أشد الناس هو و أبوه أذية للنبي (صلى اللّه عليه و سلم)، و كان أشد الناس على المسلمين، و لما بلغه أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) أهدر دمه فرّ إلى اليمن فاتبعته امرأته بنت عمه أم حكيم بنت الحارث بن هشام بعد أن أسلمت فوجدته في ساحل البحر يريد أن يركب السفينة، و قيل وجدته في السفينة فردته، أي بعد أن قالت له: يا ابن عم جئتك من عند أوصل الناس، و أبرّ الناس، و خير الناس، لا تهلك نفسك، فقد استأمنت لك، فجاء معها فأسلم و حسن إسلامه أي بعد أن قال: يا محمد هذه يعني زوجتي أخبرتني أنك أمنتني، قال:
صدقت إنك آمن، فقال عكرمة: أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له و أنك عبده و رسوله و طأطأ رأسه من الحياء، فقال له (صلى اللّه عليه و سلم): يا عكرمة ما تسألني شيئا أقدر عليه إلا أعطيتكه قال: استغفر لي كل عداوة عاديتكها، فقال (صلى اللّه عليه و سلم): اللهم اغفر لعكرمة كل عداوة عادانيها أو منطق تكلم به، أي و لما قدم عليه (صلى اللّه عليه و سلم) وثب (صلى اللّه عليه و سلم) إليه قائما فرحا به، أي و رمى (صلى اللّه عليه و سلم) رداءه و قال: مرحبا بمن جاء مؤمنا مهاجرا، و كان بعد ذلك من فضلاء الصحابة.
و في «بهجة المجالس في أنس الجالس» لابن عبد البر (رحمه اللّه): أنه (صلى اللّه عليه و سلم) رأى