السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٦٣ - حجة الوداع
عمر ذلك، فقال أنس رضي اللّه عنه: ما يعدونا إلا صبيانا، سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: لبيك لبيك عمرة و حجا» أي يصرح بهما جميعا و قال: «إني لرديف لأبي طلحة و إن ركبتي لتمس ركبة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و هو يلبي بالحج و العمرة، و ذلك مثبت لما قاله ابن عمر و زائد عليه فليس مناقضا له. أي و دليل من قال إنه أحرم مطلقا ما رواه إمامنا الشافعي رضي اللّه عنه أنه (صلى اللّه عليه و سلم): «خرج هو و أصحابه رضي اللّه عنهم مهلّين: أي محرمين إحراما مطلقا ينتظرون القضاء» أي نزول الوحي لتعيين ما يصرفون إحرامهم المطلق إليه أي بإفراد أو تمتع أو قران» أي فجاءه (صلى اللّه عليه و سلم) الوحي أن يأمر من لا هدي معه أن يجعل إحرامه عمرة فيكون متمتعا، و من معه هدي أن يجعله حجا فيكون مفردا، لأن من معه هدي أفضل ممن لا هدي معه، و الحج أفضل من العمرة.
و يدل لكون الصحابة أطلقوا إحرامهم ما رواه الشيخان عن عائشة رضي اللّه عنها: «خرجنا نلبي لا نذكر حجا و لا عمرة» لكن أجيب عن ذلك بأنهم لا يذكرون ذلك مع التلبية و إن كانوا سموه حال الإحرام.
هذا و في مسلم عن عائشة رضي اللّه عنها قالت: «خرجنا مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فقال: من أراد منكم أن يهلّ بحج و عمرة فليفعل، و من أراد أن يهل بعمرة فليفعل» فلينظر الجمع بين هذا و ما قبله.
و جاء أنه (صلى اللّه عليه و سلم) قال لهم: «من لم يكن معه هدي و أحب أن يجعلها عمرة فليفعل، و من كان معه هدي فلا» أي فلا يجعلها عمرة بل يجعل إحرامه حجا، و لم يذكر القران. و جاء في بعض الطرق: «أنه أمر من كان معه هدي أن يحرم بالحج و العمرة معا».
و في بعض الروايات: «خرج (صلى اللّه عليه و سلم) من المدينة لا يسمي حجا و لا عمرة ينتظر القضاء، فنزل عليه القضاء و هو بين الصفا و المروة، فأمر أصحابه من كان منهم أهلّ بالحج و لم يكن معه هدي أن يجعله عمرة».
و في الهدى: الصواب أنه (صلى اللّه عليه و سلم) أحرم بالحج و العمرة معا من حين أنشأ الإحرام، فهو قارن، و لم يحل حتى حل منهما جميعا و طاف لهما طوافا واحدا و سعيا واحدا كما دلت عليه النصوص المستفيضة التي تواترات تواترا يعلمه أهل الحديث. و ما ورد أنه (صلى اللّه عليه و سلم) طاف طوافين و سعى سعيين لم يصح.
قال: و غلط من قال لبى بالحج وحده ثم أدخل عليه العمرة: أي الذي تقدم في الجمع بين الروايات عن النووي (رحمه اللّه تعالى). و من قال لبى بالعمرة ثم أدخل عليها الحج: أي و هذا لم يتقدم. و من قال أحرم إحراما مطلقا لم يعين فيه نسكا ثم