السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٢٢ - فتح مكة شرفها اللّه تعالى
و دخل (صلى اللّه عليه و سلم) مكة و هو راكب على ناقته القصواء: أي مردفا أسامة بن زيد بكرة يوم الجمعة معتجرا بشقة برد حبرة حمراء، واضعا رأسه الشريف على رحله تواضعا للّه تعالى، حين رأى ما رأى من فتح اللّه تعالى مكة و كثرة المسلمين، ثم قال: «اللهم إن العيش عيش الآخرة».
و قيل دخل (صلى اللّه عليه و سلم) و على رأسه المغفر، و قيل و عليه عمامة سوداء حرقانية قد أرخى طرفيها بين كتفيه بغير إحرام، و رايته سوداء و لواؤه أسود.
و عن جابر رضي اللّه تعالى عنه: «كان لواء رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يوم دخل مكة أبيض» و عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها «كان لواؤه يوم الفتح أبيض. و رايته سوداء تسمى العقاب» أي و هي التي كانت بخيبر، و تقدم أنها كانت من برد عائشة.
و عنها رضي اللّه تعالى عنها أنها قالت: «دخل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يوم الفتح من كداء» بفتح الكاف و المد و التنوين «من أعلى مكة» و هذا هو المعروف خلافا لمن قال إنه دخل من أسفل مكة، و هي ثنية كدى بضم الكاف و القصر و التنوين، و سيأتي أنه عند الخروج خرج (صلى اللّه عليه و سلم) من هذه، و بهذا استدل أئمتنا على أنه يستحب دخول مكة من الأولى، و الخروج منها من الثانية، أي و اغتسل (صلى اللّه عليه و سلم) لدخول مكة كما حكاه إمامنا الشافعي رضي اللّه تعالى عنه في الأم، و به استدل على استحباب الغسل لداخل مكة و لو حلالا أي و سيأتي ذلك عن أم هانئ رضي اللّه تعالى عنها، أي و كان شعار المهاجرين «يا بني عبد الرحمن» و شعار الخزرج «يا بني عبد اللّه» و شعار الأوس «يا بني عبيد اللّه» أي شعارهم الذي يعرف به بعضهم بعضا في ظلمة الليل، و عند اختلاط الحرب لو وجد.
و لما نزل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) مكة و اطمأن الناس، قال و ذلك بالحجون: موضع ما غرز الزبير رضي اللّه تعالى عنه رايته (صلى اللّه عليه و سلم) عند شعب أبي طالب الذي حصرت فيه بنو هاشم، أي و بنو المطلب قبل الهجرة، بقبة من أدم نصبت له هناك و معه (صلى اللّه عليه و سلم) فيها أم سلمة و ميمونة زوجتاه (صلى اللّه عليه و سلم) و رضي عنهما.
فعن جابر رضي اللّه تعالى عنه: «لما رأى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بيوت مكة وقف، فحمد اللّه و أثنى عليه و نظر إلى موضع قبته، و قال: هذا منزلنا يا جابر حيث تقاسمت قريش علينا، قال جابر رضي اللّه تعالى عنه: فذكرت حديثا كنت سمعته منه (صلى اللّه عليه و سلم) قبل ذلك بالمدينة: «منزلنا إذا فتح اللّه تعالى علينا مكة في خيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر»: أي لأنّ قريشا و كنانة تحالفت على بني هاشم و بني المطلب أن لا يناكحوهم، و لا يبايعوهم، حتى يسلموا إليهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى آخر ما تقدم في قصة الصحيفة انتهى، و فيه أنه سيأتي في حجة الوداع أنهم تحالفوا بالمحصب.