السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٦٢ - غزوة حنين
بطعام تصنعه ليدعو عليه الناس، ففعل و اجتمع الناس في داره، فانطلق الغلامان يلعبان، فوقعا في بئر كانت في الدار، فكرهت أن تنغص على زوجها الضيافة، فأدخلتهما البيت و سجتهما بثوب، فلما فرغوا دخل زوجها، فقال: أين ابناي، قالت: هما في البيت، و إنها كانت تمسحت بشيء من الطيب و تعرضت للرجل حتى وقع عليها ثم قال: أين ابناي؟ قالت: هما في البيت، فناداهما أبوهما فخرجا يسعيان، فقالت المرأة: سبحان اللّه. و اللّه لقد كانا ميتين و لكن اللّه أحياهما ثوابا لصبري.
و لما انهزم القوم عسكر بعضهم بأوطاس، فبعث النبي (صلى اللّه عليه و سلم) في آثارهم أبا عامر الأشعري رضي اللّه عنه، و سيأتي في السرايا. و رجع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى معسكره، قال شيبة: فدخل خباءه فدخلت عليه، ما دخل عليه غيري حبا لرؤية وجهه و سرورا به، فقال: يا شيبة الذي أراد اللّه خير مما أردت بنفسك، ثم حدثني بكل ما أضمرته في نفسي مما لم أذكره لأحد قط. فقلت: إني أشهد أن لا إله إلا اللّه و أنك رسول اللّه، ثم قلت: استغفر لي، فقال غفر اللّه لك، أي و قالت له (صلى اللّه عليه و سلم) أم سليم رضي اللّه عنها: بأبي أنت و أمي يا رسول اللّه. اقتل هؤلاء الذين انهزموا عنك فإنهم لذلك أهل، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): إن اللّه قد كفى و أحسن.
و عن عائذ بن عمرو قال: أصابتني رمية يوم حنين في جبهتي فسال الدم على وجهي و صدري، فسد النبي (صلى اللّه عليه و سلم) الدم بيده عن وجهي و صدري إلى ترقوتي، ثم دعاني فصار أثر يده (صلى اللّه عليه و سلم) غرة سائلة كغرة الفرس.
و جرح خالد بن الوليد رضي اللّه عنه، فتفل النبي (صلى اللّه عليه و سلم) في جرحه فلم يضره.
أي فعن بعض الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم قال: رأيت النبي (صلى اللّه عليه و سلم) بعد ما هزم اللّه الكفار و رجع المسلمون إلى رحالهم، يمشي في المسلمين و يقول: من يدلني على رحل خالد بن الوليد حتى دل عليه، فوجده قد أسند إلى مؤخرة رحله لأنه قد أثقل بالجراحة فتفل النبي (صلى اللّه عليه و سلم) في جرحه فبرئ.
و عن جبير بن مطعم رضي اللّه تعالى عنه قال: لقد رأيت قبل هزيمة القوم و الناس يقتتلون شيئا أسود أقبل من السماء حتى سقط بيننا و بين القوم، فنظرت فإذا نمل أسود مبثوث قد ملأ الوادي لم أشك أنها الملائكة، و لم تكن إلا هزيمة القوم.
و في سيرة الحافظ الدمياطي (رحمه اللّه) أن سيما الملائكة يوم حنين عمائم حمر أرخوها بين أكتافهم: أي فعن جمع من هوازن قالوا: لقد رأينا يوم حنين رجالا بيضا على خيل بلق، عليها عمائم حمر قد أرخوها بين أكتافهم بين السماء و الأرض، و كتائب لا نستطيع أن نقاتلهم من الرعب منهم. و لما وقعت الهزيمة أسلم ناس من