السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٢٦ - باب نبذة من خصائصه
ألغز في ذلك بعضهم بقوله:
سلم على مفتي الأنام و قل به* * * هذا سؤال في الفرائض مبهم
قوم إذا ماتوا تحوز ديارهم* * * زوجاتهم فلغيرها لا تقسم
و بقية المال الذي قد خلفوا* * * يجري على أهل التوارث منهم
و أنه (صلى اللّه عليه و سلم) أول من ينشق عنه القبر، فعن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، قال: «أنا أول من تنشق عنه الأرض ثم أبو بكر ثم عمر ثم أهل البقيع فيخرجون معي ثم أنتظر أهل مكة»، أي و في رواية: «و أنا أول من تنشق عنه الأرض فأكون أول من رفع رأسه فإذا أنا بموسى عليه الصلاة و السلام آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أرفع رأسه قبلي أو كان ممن استثنى اللّه».
و فيه أن الاستثناء إنما هو من نفخة الفزع التي هي النفخة الأولى التي يفزع بسببها أهل السموات و الأرض، و تمر الجبال مر السحاب، و ترتج الأرض بأهلها رجا فتكون كالسفينة في البحر تضربها الأمواج المعنية بقوله تعالى: يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) [النازعات: الآية ٦ و ٧] و المعنية بقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) [الحج: الآية ١] الآية. قال (صلى اللّه عليه و سلم):
«و الأموات يومئذ لا يعلمون بشيء من ذلك، قلنا يا رسول اللّه فمن استثنى اللّه في قوله:
إلا من شاء اللّه: قال: أولئك الشهداء، و إنما يصل الفزع إلى الأحياء و هم أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران: الآية ١٦٩]، وقاهم اللّه فزع ذلك اليوم و آمنهم منه».
و فيه أن هذا يقتضي أن الأنبياء عليهم الصلاة و السلام يفزعون لأنهم أحياء، و لم يذكرهم (صلى اللّه عليه و سلم) مع الشهداء، و القياس قد يمنع لأنه يوجد في المفضول ما لا يوجد في الفاضل. و أنه من يكسى في الموقف أعظم الحلل من الجنة، و أنه (صلى اللّه عليه و سلم) يقوم في المقام المحمود على يمين العرش، و أنه الذي يشفع في فصل القضاء بين أهل الموقف، و أنه له (صلى اللّه عليه و سلم) شفاعات في ذلك اليوم و هي إحدى عشرة شفاعة ذكرها في «مزيل الخفاء» و أنه (صلى اللّه عليه و سلم) صاحب لواء الحمد في ذلك اليوم، آدم فمن دونه تحت لوائه (صلى اللّه عليه و سلم)، و أنه خطيب الأنبياء عليهم الصلاة و السلام و إمامهم في ذلك اليوم كما تقدم.
و أول من يؤذن له في السجود. و أول من ينظر إلى الرب عز و جل، و أنه يسجد أوّلا فيقول له الرب جل جلاله، ارفع رأسك يا محمد، قل تسمع، و سل تعط، و اشفع تشفع، ثم ثانيا، ثم ثالثا كذلك فيشفع.
و أنه أول من يفيق من الصعقة. و فيه أن نفخة الصعقة، و هي النفخة الثانية التي هي نفخة الموت لأهل السموات و الأرض، إلا أن يقال المراد بالصعقة هنا نفخة رابعة أثبتها ابن حزم.