السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٣٥ - سرية الرجيع
فأجلسه خبيب رضي اللّه تعالى عنه على فخذه و الموسى بيده، فلما رأت ابنها على تلك الحالة فزعت فزعة عرفها خبيب رضي اللّه تعالى عنه، فقال: أ تخشين أن أقتله:
ما كنت لأفعل ذلك إن شاء اللّه تعالى، و بكسر الكاف لأنه خطاب للمؤنث.
و روي أنه رضي اللّه عنه أخذ بيد الغلام، و قال: هل أمكن اللّه منكم، فقالت المرأة ما كان هذا ظني بك، فرمى لها بالموسى، و قال: إنما كنت مازحا، ما كنت لأغدر.
و في السيرة الشامية أن تلك المرأة قالت: قال لي: تعني خبيبا رضي اللّه تعالى عنه حين حضره القتل: ابعثني إليّ بحديدة أتطهر بها للقتل: أي و قد كان رضي اللّه تعالى عنه قال لها: إذا أرادوا قتلي فآذنيني، فلما أرادوا قتله آذنته، فطلب منها تلك الحديدة، فقالت: فأعطيت غلاما من الحي الموسى، فقلت له: ادخل بها على هذا الرجل البيت، قالت: فو اللّه لما دخل عليه الغلام قلت و اللّه أصاب الرجل ثأره بقتل هذا الغلام و يكون رجل برجل، فلما ناوله الحديدة أخذها من يده، ثم قال: لعمرك ما خافت أمك غدري حين بعثتك بهذه الحديدة إليّ؟ ثم خلى سبيله. و يقال إن الغلام ابنها: أي و يرشد إليه قول خبيب رضي اللّه تعالى عنه: ما خافت أمك.
و كانت بنت الحارث تقول: و اللّه ما رأيت أسيرا خيرا من خبيب، قالت: و اللّه لقد وجدته يوما أي و قد اطلعت عليه من شق الباب يأكل قطفا من عنب في يده: أي مثل رأس الرجل، و أنه لموثق بالحديد و ما بمكة ثمرة. و في رواية: لا أعلم في أرض اللّه عنبا يؤكل.
أي و استدل أئمتنا بقصة خبيب هذه على أنه يستحب لمن أشرف على الموت أن يتعهد نفسه بتقليم أظفاره و أخذ شعر شاربه و إبطه و عانته، و لعل ذلك كان بلغ النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و أقره، فلما انقضت الأشهر الحرم بانقضاء المحرم خرجوا بخبيب من الحرم ليقتلوه في الحل، فلما قدم للقتل قال لهم: دعوني أصلي ركعتين، فتركوه فركع ركعتين و قال لهم: و اللّه لو لا أن تحسبوا أن ما بي من جزع لزدت، ثم قال:
اللهم أحصهم عددا و اقتلهم بددا: أي متفرقين واحدا بعد واحد، و لا تبقي منهم أحدا: أي الكفار، و قد قتلوا في الخندق متفرقين.
قال: ذكر أنهم لما خرجوا به ليقتلوه خرج النساء و الصبيان و العبيد، فلما انتهوا به إلى التنعيم أمروا بخشبة طويلة فحفروا لها، فلما انتهوا بخبيب إليها و بعد صلاته للركعتين صلبوه على تلك الخشبة، أي ليراه الوارد و الصادر، فيذهب بخبره إلى الأطراف، ثم قالوا له: ارجع عن الإسلام نخلّ سبيلك، و إن لم ترجع لنقتلنك قال:
إن قتلي في سبيل اللّه لقليل، اللهم إنه ليس هنا أحد يبلغ رسولك عني السلام، فبلغه أنت عني السلام و بلغه ما يصنع بنا.