السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٨٨ - غزوة وادي القرى
شهدت هذه المواطن كلها على محمد (صلى اللّه عليه و سلم)، فليس موطن أشهده إلا انصرف، و أنا أرى في نفسي أني موضع في غير شيء و أن محمدا (صلى اللّه عليه و سلم) يظهر، فلما جاء (صلى اللّه عليه و سلم) لعمرة القضاء تغيبت و لم أشهد دخوله، فكان أخي الوليد بن الوليد دخل معه (صلى اللّه عليه و سلم) فطلبني فلم يجدني، فكتب إليّ كتابا، فإذا فيه: بسم اللّه الرحمن الرحيم. أما بعد- فإني لم أر أعجب من ذهاب رأيك عن الإسلام و قلة عقلك، و مثل الإسلام يجهله أحد، قد سألني عنك رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فقال أين خالد، فقلت: يأتي اللّه به، فقال: ما مثله يجهل الإسلام، و لو كان يجعل نكايته مع المسلمين على المشركين كان خيرا له، و لقد مناه على غيره، فاستدرك يا أخي ما فاتك، فقد فاتك مواطن صالحة، فلما جاءني كتابه نشطت للخروج، و زادني رغبة في الإسلام، و سرتني مقالة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و رأيت في المنام كأني في بلاد ضيقة جدبة فخرجت إلى بلاد خضراء واسعة، فلما اجتمعنا للخروج إلى المدينة لقيت صفوان، فقلت: يا أبا وهب، أ ما ترى أن محمدا (صلى اللّه عليه و سلم) ظهر على العرب و العجم، فلو قدمنا عليه فاتبعناه فإن شرفه شرف لنا، قال: لو لم يبق غيري ما اتبعته أبدا، قلت: هذا رجل قتل أبوه و أخوه ببدر، فلقيت عكرمة بن أبي جهل فقلت له مثل ما قلت لصفوان، فقال مثل الذي قال صفوان، قلت: فاكتم ذكر ما قلت لك، قال: لا أذكره. ثم لقيت عثمان بن طلحة: أي الحجبي، قلت: هذا لي صديق، فأردت أن أذكر له ثم ذكرت من قتل من آبائه: أي قتل أبيه طلحة و عمه عثمان، أي و قتل إخوته الأربع مسافع و الجلاس و الحارث و كلاب كلهم قتلوا يوم أحد كما تقدم فكرهت أن أذكر له، ثم قلت: و ما عليّ: فقلت له: إنما نحن بمنزلة ثعلب في جحر لو صب فيه ذنوب من ماء لخرج، ثم قلت له: ما قلته لصفوان و عكرمة، فأسرع الإجابة، فواعدني إن سبقني أقام في محل كذا، و إن سبقته إليه انتظرته، فلم يطلع الفجر حتى التقينا فغدونا حتى انتهينا إلى الهدة: اسم محل، فنجد عمرو بن العاص بها، فقال: مرحبا بالقوم، فقلنا و بك، أين مسيركم؟ قلنا: الدخول في الإسلام، قال: و ذلك الذي أقدمني. و في لفظ قال عمرو لخالد: يا أبا سليمان أين تريد؟ قال: و اللّه لقد استقام الميسم: أي تبين الطريق و ظهر الأمر، و إن هذا الرجل لنبي فأذهب فأسلم، فحتى متى؟ قال عمرو: و أنا ما جئت إلا لأسلم، فاصطحبنا جميعا حتى دخلنا المدينة الشريفة، فأنخنا بظهر الحرة ركابنا فأخبر بنا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فسّر بنا، أي و قال رمتكم مكة بأفلاذ كبدها، فلبست من صالح ثيابي، ثم عمدت إلى رسول اللّه فلقيني أخي، فقال: أسرع فإن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قد سرّ بقدومكم و هو ينتظركم فأسرعنا المشي، فاطلعت عليه فما زال (صلى اللّه عليه و سلم) يتبسم إليّ حتى وقفت عليه، فسلمت عليه بالنبوة فرد على السلام بوجه طلق، فقلت: أشهد أن لا إله إلا اللّه و أنك رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، قال: الحمد للّه الذي هداك، قد كنت أرى لك عقلا