السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٣٣ - باب يذكر فيه ما يتعلق بالوفود التي وفدت عليه
أؤمرك عليهم؟ فقلت: بلى يا رسول اللّه، فكتب لي كتابا بذلك، فقلت: يا رسول اللّه مر لي بشيء من صدقاتهم، قال: نعم. فكتب لي كتابا آخر انتهى.
قال زياد رضي اللّه تعالى عنه: و كنت معه (صلى اللّه عليه و سلم) في بعض أسفاره، و كنت رجلا قويا، فلزمت غرزه: أي ركابه، و جعل أصحابه يتفرقون عنه، فلما كان السحر قال (صلى اللّه عليه و سلم): أذّن يا أخا صداء، فأذنت على راحلتي، ثم سرنا حتى نزلنا، فذهب (صلى اللّه عليه و سلم) لحاجته ثم رجع، فقال: يا أخا صداء هل معك ماء؟ قلت معي شيء في إداوتي: أي و هي إناء من جلد صغير. و في رواية: لا إلا شيء قليل لا يكفيك، قال: هاته، فجئت به، قال: صب، فصببت ما في الإداوة في العقب، أي و هو القدح الكبير، و جعل أصحابه (صلى اللّه عليه و سلم) يتلاحقون، ثم وضع (صلى اللّه عليه و سلم) كفه في الإناء فرأيت بين كل إصبعين من أصابعه عينا تفور، ثم قال: يا أخا صداء لو لا أني أستحي من ربي عز و جل لسقينا و أسقينا: أي من غير أصل، ثم توضأ و قال: أذن في أصحابي: من كانت له حاجة في الوضوء بفتح الواو فليرد، قال: فورد الناس من آخرهم، ثم جاء بلال يقيم، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): إن أخا صداء أذن، و من أذن فهو يقيم فأقمت، ثم تقدم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فصلى بنا، فلما سلم: يعني من صلاته قام رجل يشكو من عامله، فقال: يا رسول اللّه إنه آخذنا بذحول كانت بيننا و بين قومه في الجاهلية: أي و في رواية آخذنا بكل شيء كان بيننا و بين قومه في الجاهلية، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): لا خير في الإمارة لرجل مسلم، ثم قام رجل آخر، فقال: يا رسول اللّه أعطني من الصدقة، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): إن اللّه عز و جل لم يكل قسمتها إلى ملك مقرب و لا نبي مرسل حتى جزأها ثمانية أجزاء، فإن كنت جزءا منها أعطيتك، و إن كنت غنيا عنها فإنما هي صداع في الرأس و داء في البطن، فقلت: يا رسول اللّه هذان كتاباك، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و لم؟
قلت: إني سمعتك تقول: لا خير في الإمارة لرجل مسلم و أنا رجل مسلم، و سمعتك تقول: من سأل الصدقة و هو عنها غنيّ فإنما هي صداع في الرأس و داء في البطن و أنا غني، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): أما إن الذي قلت كما قلت، ثم قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): دلني على رجل من قومك أستعمله، فدللته (صلى اللّه عليه و سلم) على رجل منهم فاستعمله.
قلت: يا رسول اللّه إن لنا بئرا إذا كان الشتاء كفانا ماؤها، و إن كان الصيف قلّ علينا فتفرقنا على المياه، و الإسلام فينا قليل، و نحن نخاف، فادع اللّه عز و جل لنا في بئرنا، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): ناولني سبع حصيات، فناولته ففركهن في يده الشريفة ثم دفعهن إليّ و قال: إذا انتهيت إليها فألق فيها حصاة حصاة و سمّ اللّه، قال: ففعلت، فما أدركنا لها قعرا حتى الساعة.
و منها وفد غسان: اسم ماء نزل عليه قوم من الأزد فنسبوا إليه، و منهم بنو حنيفة، و قيل غسان قبيلة.