السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٢٩ - سرية عبد اللّه بن عتيك رضي اللّه عنه لقتل أبي رافع
و في رواية: أن ابن عتيك لما عصب رجله انطلق حتى جلس على الباب.
و قال: لا أخرج الليلة حتى أعلم أني قتلته أولا؟ فلما صاح الديك قام الناعي على السور، فقال: أنعى أبا رافع تاجر أهل الحجاز، فانطلق يحجل إلى أصحابه و قال قد قتل اللّه أبا رافع، فأسرعوا، و ليتأمل هذا مع ما قبله، و قوله أنعى هو بفتح العين، و قيل الصواب انعو، و النعي: خبر الموت و الاسم الناعي. و يقال له الناعية، و كانت العرب إذا مات فيهم الكبير ركب راكب فرسا و صار يذكر أوصافه و مآثره، و قد نهى (صلى اللّه عليه و سلم) عن ذلك. و لا منافاة بين كونه انطلق يحجل إلى أصحابه و كونهم حملوه، لأنه يجوز أن يكون عند وقوعه و حصول ما تقدم له لم يحس الألم لما هو فيه من الاهتمام و قدر على المشي يحجل، و من ثم جاء في بعض الروايات: فقمت أمشي ما بي قلبة: أي علة مهلكة. فلما وصل إلى أصحابه و عاد عليه المشي أحسّ بالألم، فحمله أصحابه، و هذا السياق يدل على أن الذي قتله عبد اللّه بن عتيك وحده، و هو ما في البخاري، و في رواية أن الذي كسرت رجله أبو قتادة لأنهم لما قتلوه و خرجوا نسي أبو قتادة قوسه فرجع إليها و أخذها فأصيبت رجله فشدها بعمامته و لحق بأصحابه، و كانوا يتناوبون حمله حتى قدموا المدينة على النبي (صلى اللّه عليه و سلم) فمسحها فبرئت، أي و قال لما رآنا: أفلحت الوجوه، قلنا أفلح وجهك يا رسول اللّه و أخبرناه بقتل عدوّ اللّه، و اختلفنا عنده (صلى اللّه عليه و سلم) في قتله كل منا ادعاه، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) هاتوا أسيافكم فجئناه بها فنظر إليها، فقال لسيف عبد اللّه بن أنيس: هذا قتله، أرى فيه أثر الطعام.
قال: و الثابت في الصحيح كما علمت أن عبد اللّه بن عتيك هو الذي انفرد بقتله و أن عدوّ اللّه كان بحصن بأرض الحجاز، و لا منافاة لأن خيبر من الحجاز، أي من قراه و ريفه.
فلما دنوا من خيبر و قد غربت الشمس و راح الناس بسرحهم، قال عبد اللّه لأصحابه اجلسوا مكانكم فإني منطلق و متلطف للبواب لعلي أن أدخل، فأقبل حتى دنا من الباب ثم تقنع بثوبه كأنه يقضي حاجته، و قد دخل الناس فهتف به البواب: يا عبد اللّه، ناداه بذلك كما ينادي الشخص شخصا لا يعرفه و هو يظن أنه من أهل الحصن، إن كنت تريد أن تدخل فادخل فإني أريد أن أغلق الباب فدخل و كمن.
فلما أغلق الباب علق المفاتيح. قال ثم أخذتها و فتحت الباب، و كان أبو رافع يسمر عنده. فلما ذهب عنه أهل سمره صعدت إليه فجعلت كلما فتحت بابا أغلقته عليّ من داخله حتى انتهيت إليه، فإذا هو في بيت مظلم وسط عياله لا أدري أين هو من البيت. قلت: أبا رافع، قال من هذا؟ فأهويت نحو الصوت فضربته بالسيف فما أغنت شيئا و صاح، فخرجت من البيت، أي و عند ذلك قالت له امرأته: يا أبا رافع هذا صوت عبد اللّه بن عتيك. قال: ثكلتك أمك و أين عبد اللّه بن عتيك؟ قال ابن