السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٩٨ - غزوة مؤتة
رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) على ذلك، فأخبر به أصحابه، أي فإنه لما اطلع على ذلك نادى في الناس: الصلاة جامعة ثم صعد المنبر و عيناه تذرفان. و قال «أيها الناس باب خير باب خير باب خير ثلاثا. أخبركم عن جيشكم هذا الغازي، إنهم انطلقوا فلقوا العدو، فقتل زيد رضي اللّه تعالى عنه شهيدا فاستغفروا له. ثم أخذ الراية عبد اللّه بن رواحة رضي اللّه تعالى عنه و أثبت قدميه حتى قتل شهيدا فاستغفروا له، ثم أخذ الراية عبد اللّه بن رواحة رضي اللّه تعالى عنه و أثبت قدميه حتى قتل شهيدا فاستغفروا له، ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد و لم يكن من الأمراء و هو أمير نفسه و لكنه سيف من سيوف اللّه فآب بنصره» و في لفظ «ثم أخذ الراية خالد بن الوليد، نعم عبد اللّه، و أخو العشيرة، و سيف من سيوف اللّه سله اللّه على الكفار و المنافقين من غير إمرة حتى فتح اللّه عليهم».
قال و في رواية «أنه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: اللهم إنه سيف من سيوفك فانصره. فمن يومئذ سمي خالد سيف اللّه» و في لفظ «ثم أخذ اللواء سيف من سيوف اللّه تبارك و تعالى ففتح اللّه على يديه».
و عن عبد اللّه بن أبي أوفى قال «اشتكى عبد الرحمن بن عوف خالد بن الوليد للنبي (صلى اللّه عليه و سلم) فقال: يا خالد لم تؤذي رجلا من أهل بدر؟ لو أنفقت مثل أحد ذهبا لم تدرك عمله، فقال: يا رسول اللّه إنهم يقعون فيّ فأرد عليهم، فقال: لا تؤذوا خالدا فإنه سيف من سيوف اللّه صبه اللّه على الكفار» قال بعضهم: و كون هذا نصرا و فتحا واضح لإحاطة العدو بهم و تكاثرهم عليهم لأنهم كانوا مائتي ألف و الصحابة ثلاثة آلاف أي كما تقدم؛ إذا كان مقتضى العادة أن يقتلوا بالكلية.
و في رواية أصاب خالد رضي اللّه عنه منهم مقتلة عظيمة، و أصاب غنيمة، و هذا لا يخالف ما يأتي أن طائفة منهم فروا إلى المدينة لما عاينوا كثرة جموع الروم فصار أهل المدينة يقولون لهم: أنتم الفرارون إلى آخر ما يأتي. و عن أسماء بنت عميس رضي اللّه عنهما، أي زوج جعفر رضي اللّه عنه قالت «دخل علي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يوم أصيب جعفر و أصحابه، فقال ائتيني ببني جعفر فأتيته بهم فشمهم و ذرفت عيناه أي و بكى حتى نقطت لحيته الشريفة، فقلت: يا رسول اللّه بأبي أنت و أمي ما يبكيك؟ أبلغك عن جعفر و أصحابه شيء؟ قال نعم، أصيبوا هذا اليوم، فقمت أصيح و اجتمع عليّ النساء: أي و جعل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول لها: يا أسماء لا تقولي هجرا و لا تضربي خدا، و جاء إليه (صلى اللّه عليه و سلم) رجل فقال: يا رسول اللّه إن النساء عيين و فتنّ، قال: فارجع إليهن فأسكتهن، فذهب ثم رجع، فقال له مثل الأول و قال نهيتهنّ فلم يطعنني، فقال اذهب فأسكتهن، فإن أبين فاحث في أفواههن التراب، و قال (صلى اللّه عليه و سلم) اللهم قد قدم، يعني جعفرا إلى أحسن الثواب فاخلفه في ذريته بأحسن ما خلفت أحدا من