السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٨٣ - باب يذكر فيه صفته
قال: و كان (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا و لبكيتم كثيرا، الفاقة أحب إليّ من اليسار» و عن عائشة رضي اللّه عنها قالت: «كنت أرثي له (صلى اللّه عليه و سلم) من الجوع، و أقول نفسي لك الفداء، لو تبلغت من الدنيا بقدر ما يقويك و يمنع عنك الجوع، فيقول: يا عائشة إن إخواني من أولي العزم من الرسل قد صبروا على ما هو أشد من هذا، فمضوا على حالهم، فتقدموا على ربهم، فأكرمهم و أجزل ثوابهم أخشى إن ترفعت في معيشتي أن يقصر بي دونهم، فأصبر أياما يسيرة أحب إليّ من أن ينقص حظي غدا في الأخرى، و ما من شيء أحب إليّ من اللحوق بإخواني».
قال: و قال (صلى اللّه عليه و سلم): «يا عائشة إن الدنيا لا تنبغي لمحمد و لا لآل محمد. يا عائشة إن اللّه لم يرض من أولي العزم من الرسل إلا بالصبر، و قال: فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [الأحقاف: الآية ٣٥] و اللّه أصبرن جهدي و لا قوة إلا باللّه» انتهى.
و كان (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد اللّه و رسوله» و كان (صلى اللّه عليه و سلم) على غاية من الإعراض عن الدنيا، و كان يصلي على الحصير و على الفروة المدبوغة، و ربما نام على الحصير فأثرت في جسده الشريف.
و كان ينام على شيء أدم محشو ليفا، فقيل له في ذلك؟ فقال: «ما لي و للدنيا؟».
و عن عائشة رضي اللّه عنها: «دخلت امرأة من الأنصار فرأت ذلك الأدم». و في لفظ رأت فراش رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عباءة مثنية فانطلقت فبعثت إليه بفراش حشوة صوف، فدخل عليّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فقال: ما هذا؟ فقلت: يا رسول اللّه فلانة الأنصارية دخلت عليّ فرأت فراشك فذهبت فبعثت هذا، فقال: رديه، فلم أرده و أعجبني أن يكون في بيتي حتى قال ذلك ثلاث مرات، فقال: و اللّه يا عائشة لو شئت لأجرى اللّه معي جبال الذهب و الفضة».
و عنها رضي اللّه عنها أنها كانت تفرش تلك العباءة مثنية طاقين، ففي بعض الليالي ربعتها، فنام (صلى اللّه عليه و سلم) عليها ثم قال: «يا عائشة ما لفراشي الليلة ليس كما يكون؟
قلت: يا رسول اللّه ربعتها، قال: فأعيديه كما كان».
و كان (صلى اللّه عليه و سلم) إذا استجدّ ثوبا قال: «اللهم لك الحمد، أنت كسوتنيه، أسألك من خيره و خير ما صنع له، و أعوذ بك من شره و شر ما صنع له». و كان يقول لأصحابه كلهم رضي اللّه عنهم: «إذا لبس أحدكم ثوبا فليقل الحمد للّه الذي كساني ما أواري به عورتي، و أتجمل به في حياتي» قال: و كان أرجح الناس عقلا: و العقل مائة جزء:
تسعة و تسعون في النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، و جزء في سائر الناس.