السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٦٥ - غزوة الطائف
و أخذته خيول المسلمين، و سألوه عن الخبر، فلم يخبرهم إلا بخير و سلامة، و أخبرهم عن إمداد يجيء إليهم، و أخفى موت أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه و تأمير أبي عبيدة، فأتوا به إلى خالد بن الوليد رضي اللّه تعالى عنه، فأسرّ إليه موت أبي بكر و ولاية عمر رضي اللّه تعالى عنهما، و أخبره بما أخبر به الجند، فاستحسن ذلك منه، و أخذ الكتاب فجعله في كنانته و خاف إن هو أظهر ذلك يتخاذل العسكر، ثم لما هزم اللّه الروم، و جمعوا الغنائم، و دفنوا قتلى المسلمين و قد بلغوا ثلاثة آلاف، دفع خالد رضي اللّه تعالى عنه الكتاب إلى أبي عبيدة رضي اللّه تعالى عنه، فتولى أبو عبيدة، ثم بعث أبو عبيدة أبا جندل رضي اللّه تعالى عنه بشيرا إلى سيدنا عمر رضي اللّه تعالى عنه بالفتح على المسلمين.
و لما عزل سيدنا عمر رضي اللّه تعالى عنه خالد بن الوليد و ولى أبا عبيدة خطب الناس و قال: إني أعتذر إليكم من خالد بن الوليد، إني نزعته و أثبتّ أبا عبيدة بن الجراح، فقام إليه عمرو بن حفص و هو ابن عم خالد بن الوليد و ابن عم أم سيدنا عمر، فقال: و اللّه ما عدلت يا عمر، لقد نزعت عاملا استعمله رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و غمدت سيفا سله رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و لقد قطعت الرحم، و جفوت ابن العم، فقال عمر رضي اللّه تعالى عنه: إنك قريب القرابة، حديث السن، غضبت لابن عمك.
و مات ممن خرج بالطائف اثنا عشر رجلا، فارتفع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى موضع مسجد الطائف الآن، و كان معه (صلى اللّه عليه و سلم) من نسائه أم سلمة و زينب رضي اللّه تعالى عنهما، فضرب لهما قبتين، و كان يصلي بين القبتين الصلاة مقصورة مدة حصار الطائف، و كانت ثمانية عشر يوما: أي غير يومي الدخول و الخروج، و هذا هو المراد بقول فقهائنا لأنه (صلى اللّه عليه و سلم) أقامها بمكة عام الفتح لحرب هوازن يقصر الصلاة، و قيل في مدة حصاره غير ذلك.
و دخل (صلى اللّه عليه و سلم) خيمة أم سلمة و عندها أخوها عبد اللّه و مخنث، و إذا المخنث يقول: يا عبد اللّه إن فتح اللّه عليكم الطائف غدا، فعليك بابنة غيلان، فإنها تقبل بأربع و تدبر بثمان، فلما سمعه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: لا يدخل هذا عليكن. و أراد المخنث بالأربع التي تقبل بهن عكنها الأربع التي في بطنها، و لكل عكنة طرفان فتكون ثمانية من خلفها، فهي الثمانية التي تدبر بهن.
أي و في الإمتاع: كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) مولى لخالته فاخته بنت عمرو بن عائذ يقال له ماتع، و كان يدخل بيوته (صلى اللّه عليه و سلم) لأنه (صلى اللّه عليه و سلم) كان يرى أنه لا يفطن لشيء من أمر النساء و لا إربة له، فسمعه (صلى اللّه عليه و سلم) و هو يقول لخالد بن الوليد و يقال لعبد اللّه أخي أم سلمة: إن فتح رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) الطائف غدا فعليك ببادية، أي رضي اللّه تعالى عنها فإنها أسلمت، و بادية بالياء تحت لا بالنون بنت غيلان، فإنها تقبل بأربع و تدبر