السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٠٦ - باب يذكر فيه ما يتعلق بالوفود التي وفدت عليه
فاقبلوا عافية اللّه و اعبدوه، ثم أخذ في هدمها اه، فهدمها بعد أن بدأ بكسر بابها حتى هدم أساسها و أخرج ترابها لما سمع سادنها يقول: ليغضبن الأساس فليخسفن بهم و أخذ مالها و حليها، فلما قدما على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أمر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أبا سفيان أن يقضي دين عروة و الأسود أخاه من مال الطاغية، فقضاه، فإن أبا مليح بن عروة بن مسعود و قارب ابن عمه ابن الأسود أخو عروة بن مسعود سألا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في ذلك، و كانا قدما على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) مسلمين لما قتلت ثقيف عروة بن مسعود قبل أن تسلم ثقيف كما تقدم، و كان (صلى اللّه عليه و سلم) قد أجاب أبا مليح، فقال له نعم، فقال له ابن عمه قارب بن الأسود: و عن الأسود يا رسول اللّه، فإن عروة و الأسود أخوان لأب و أم، فقال (صلى اللّه عليه و سلم): إن الأسود مات مشركا، فقال قارب: يا رسول اللّه إنما الدين عليّ و أنا الذي أطلب به.
و من الوفود وفد بني تميم و قد تقدم ذكره: أي في الكلام على سرية عيينة بن حصن الفزاري إلى بني تميم، و في ذلك الوفد عطارد بن حاجب و عمرو بن الأهتم و الأقرع بن حابس و الزبرقان بن بدر.
و ذكر في الاستيعاب أنه كان مع وفد تميم قيس بن عاصم فأسلم، و ذلك في سنة تسع، فلما رآه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: هذا سيد أهل الوبر، و كان عاقلا حليما مشهورا بالحلم. قيل للأحنف بن قيس- و كان من أحلم الناس: ممن تعلمت الحلم؟
قال: من قيس بن عاصم، رأيته يوما قاعدا بفناء داره محتبيا بحمائل سيفه يحدّث قومه، فأتي برجل مكتوف و آخر مقتول، فقيل له: هذا ابن أخيك قد قتل ابنك، قال: فو اللّه ما حل حبوته و لا قطع كلامه، فلما أتمه التفت إلى ابن أخيه، فقال:
يا بن أخي بئس ما فعلت، أثمت بربك، و قطعت رحمك، و قتلت ابن عمك، و رميت نفسك بسهمك، ثم قال لابن له آخر: قم يا بني فوار أخاك، و حل كتاف ابن عمك، و سق إلى أمك مائة ناقة دية ابنها فإنها غريبة.
و كان قيس بن عاصم رضي اللّه تعالى عنه ممن حرم الخمر على نفسه في الجاهلية. و سبب ذلك أنه سكر يوما فغمز عكنة ابنته و سب أبويها، و رأى القمر فصار يخاطبه، و أعطى الخمار مالا كثيرا، فلما أفاق أخبر بذلك فحرمها على نفسه و قال في ذمها أبياتا كثيرة.
و لما حضرته الوفاة دعا بنيه، فقال لهم: يا بني احفظوا عني فلا أحد أنصح لكم مني، إذا مت فسودوا كباركم، و لا تسودوا صغاركم فيسفه الناس كباركم و تهونوا عليهم. و عليكم بإصلاح المال فإنه منبهة للكريم، و يستغنى به عن اللئيم. و إياكم و مسألة الناس فإنها آخر كسب الرجل، فإذا مت فلا تنوحوا عليّ، فإن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لم ينح عليه، و قد قيل فيه من جملة أبيات عند موته: