السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٧٤ - باب يذكر فيه صفته
فقد ذكر أن أبا بكر رضي اللّه عنه خرج تاجرا إلى بصرى و معه نعيمان بن عمرو الأنصاري و سويط بن حرملة و كلاهما بدري. و كان سويط على زاد أبي بكر فجاءه نعيمان و قال له أطعمني، فقال: لا حتى يأتي أبو بكر و كان نعيمان رجلا مضحاكا مزاحا فيه دعابة و له أخبار ظريفة في دعابته، فقال لسويط: لأغيظنك، فذهب إلى ناس، و في رواية: فمروا بقوم، فقال لهم نعيمان: تشترون من عبدا لي؟ قالوا نعم.
قال: إنه عبد له كلام و هو قائل لكم لست بعبده، أنا رجل حر، فإن كان إذا قال لكم هذه تركتموه فلا تشتروه و لا تفسدوا عليّ عبدي، قالوا لا بل نشتريه، و لا ننظر في قوله، فاشتروه منه بعشرة قلائص، فأقبل بها يسوقها، و أقبل بالقوم حتى عقلها، ثم قال: دونكم هو هذا، فجاء القوم له و قالوا له: قد اشتريناك، فقال: هو كاذب أنا رجل حر، و في رواية أنهم وضعوا عمامته في عنقه، فقال لهم: إنه يتهزأ و لست بعبده، فقالوا له قد أخبرنا بخبرك، فطرحوا الحبل في عنقه و ذهبوا به، و لم يسمعوا كلامه، فجاء أبو بكر رضي اللّه عنه، فأخبره خبره، فذهب هو و أصحابه و أتبعوا القوم، و أخبروهم أنه يمزح، و ردوا عليهم القلائص، و ردوا سليطا منهم، فلما قدموا على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أخبروه الخبر، فضحك من ذلك رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حولا كاملا، لأن سفر أبي بكر رضي اللّه عنه كان قبل وفاته (صلى اللّه عليه و سلم) بعام.
و وقع لنعيمان هذا أنه مر بمخرمة بن نوفل رضي اللّه عنه و قد كف بصره و هو يقول أ لا رجل يقودني حتى أبول، فأخذ بيده نعيمان، فلما بلغ مؤخر المسجد قال له: هاهنا فبال فصاح الناس به، فقال: من قادني؟ قيل نعيمان، فقال (صلى اللّه عليه و سلم) عليّ أن أضربه بعصاي هذه، فبلغ نعيمان فأتاه، فقال له: هل لك في نعيمان؟ قال نعم، قال: فقم فقام معه، فأتى به عثمان بن عفان رضي اللّه عنه و هو إذ ذاك أمير المؤمنين و هو يصلي، فقال: دونك الرجل، فجمع يديه في العصا ثم ضربه، فقال الناس:
أمير المؤمنين، فقال: من قادني؟ فقيل نعيمان، قال: لا أعود إلى نعيمان أبدا.
و جاء أعرابي إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فدخل المسجد و أناخ راحلته بفنائه فقال بعض الصحابة لنعيمان: لو نحرتها فأكلناها؟ فإنا قد قرمنا إلى اللحم، و يغرم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حقها، فنحرها نعيمان، فخرج الأعرابي فرأى راحلته، فصاح: وا عقراه يا محمد، فخرج النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، فقال: من فعل هذا؟ قالوا نعيمان، فأتبعه النبي (صلى اللّه عليه و سلم) يسأل عنه، فوجده في دار ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب قد اختفى في خندق و جعل عليه الجريد، فأشار إليه رجل و رفع صوته: ما رأيته يا رسول اللّه و أشار بإصبعه حيث هو، فأخرجه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و قد تعفر وجهه بالتراب، فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: الذين دلوك عليّ يا رسول اللّه هم الذين أمروني، فجعل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يمسح عن وجهه التراب و يضحك، ثم غرم (صلى اللّه عليه و سلم) ثمنها.