السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٨٢ - حجة الوداع
عنه، و كان على ثقله و لم يأمره (صلى اللّه عليه و سلم) بذلك. فعن أبي رافع رضي اللّه عنه: «لم يأمرني رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أن أنزل بالأبطح، و لكني جئت فضربت قبة، فجاء فنزل، و كان (صلى اللّه عليه و سلم) قال لأسامة رضي اللّه عنه: غدا ننزل بالمحصب إن شاء اللّه» و هو المحل الذي تحالف فيه قريش و كنانه على منابذه بني هاشم و بني المطلب حتى يسلموا إليهم النبي (صلى اللّه عليه و سلم) ليقتلوه، أي و كان ذلك سببا لكتابة الصحيفة.
و فيه أنه تقدم في فتح مكة أنه (صلى اللّه عليه و سلم) نزل بالحجون عند شعب أبي طالب المكان الذي حصرت فيه بنو هاشم و بنو المطلب و أنه خيف بني كنانة الذي تقاسمت قريش فيه جملتهم.
و في مسلم عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «منزلنا إن شاء اللّه إذا فتح اللّه الخيف حيث تقاسموا على الكفر».
و لما نزل (صلى اللّه عليه و سلم) بالمحصب صلى به الظهر و العصر و المغرب و العشاء و رقد رقدة، ثم إن عائشة رضي اللّه عنها قالت له: يا رسول اللّه أ أرجع بحجة ليس معها عمرة، فدعا عبد الرحمن بن أبي بكر رضي اللّه عنهما فقال: اخرج بأختك من الحرم، ثم افرغا من طوافكما حتى تأتياني هاهنا بالمحصب، قالت: فقضى اللّه العمرة، و في لفظ: «فاعتمرنا من التنعيم مكان عمرتي التي فاتتني، و فرغنا من طوافها في جوف الليل، فأتيناه (صلى اللّه عليه و سلم) بالمحصب فقال: فرغتما من طوافكما، قلنا نعم، فأذن في الناس بالرحيل» و في رواية: «فلقيني رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و هو مصعد من مكة و أنا منهبطة إليها، أو أنا مصعدة و هو منهبط منها».
و اعترض كيف يأتي قولها عمرتي التي فاتتني مع قوله (صلى اللّه عليه و سلم): «قد حللت من حجتك و عمرتك» و كيف أقرأها (صلى اللّه عليه و سلم) على ذلك.
و أجيب بأنها لما رأت صواحبها أتين بعمرة ثم بحج و هي لم تأت إلا بحج أحبت أن تأتي بعمرة أخرى زائدة على الحج و إن كانت العمرة مندرجة فيه، و أقرها (صلى اللّه عليه و سلم) تطييبا لخاطرها، لأنه (صلى اللّه عليه و سلم) كان معها إذا هويت الشيء الذي لا مخالفة فيه للشرع تابعها عليه. و بهذا استدل أئمتنا على جواز الإحرام بالعمرة قبل طواف الوداع.
و أمر (صلى اللّه عليه و سلم) الناس أن لا ينصرفوا: أي إلى بلادهم حتى يكون آخر عهدهم الطواف بالبيت: أي الذي هو طواف الوداع.
و رخص (صلى اللّه عليه و سلم) في ترك المؤمنين ذلك للحائض التي قد طافت طواف الإفاضة قبل حيضها كصفية أم المؤمنين رضي اللّه عنها، فإنها حاضت بعد طواف الإفاضة ليلة النفر من منى. أي و قالت: ما أراني إلا حابستكم لانتظار طهري و طواف الوداع، فقال لها (صلى اللّه عليه و سلم): أو ما كنت طفت يوم النحر؟ أو في لفظ: «ما كنت طفت طواف