السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٣٠ - باب يذكر فيه ما يتعلق بالوفود التي وفدت عليه
طهورهن و تصليهن لمواقيتهن فإنه أفضل العمل، ثم ذكر لهم (صلى اللّه عليه و سلم) باقي الفرائض من الصيام و الزكاة و الحج انتهى فأسلموا، و بشرهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بفتح الشام عليهم، و هرب هرقل إلى ممتنع بلاده، و نهاهم (صلى اللّه عليه و سلم) عن سؤال الكاهنة: أي فقد قالوا: يا رسول اللّه إن فينا امرأة كاهنة قريش و العرب يتحاكمون إليها، أ فنسألها عن أمور؟
فقال (صلى اللّه عليه و سلم): لا تسألوها عن شيء. و نهاهم (صلى اللّه عليه و سلم) عن الذبائح التي كانوا يذبحونها إلى أصنامهم، و قالوا نحن أعوانك و أنصارك، ثم انصرفوا و قد أجيزوا، أي و كسا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أحدهم بردا.
و منها وفد بني بليّ على وزن علي مكبرا، و هو حي من قضاعة. وفد على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) وفد من بلي، منهم- و هو شيخهم- أبو الضبيب تصغير الضب: الدابة المعروفة، نزلوا على رويفع بن ثابت البلوي، و قدم بهم على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فقال له:
هؤلاء قومي، فقال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): مرحبا بك و بقومك، فأسلموا، و قال لهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): الحمد للّه الذي هداكم للإسلام، فمن مات منكم على غير الإسلام فهو في النار.
قال: و في رواية عن رويفع رضي اللّه تعالى عنه قال: قدم وفد قومي، فأنزلتهم عليّ، ثم خرجت بهم حتى انتهينا إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و هو جالس في أصحابه، فسلمنا عليه، فقال (صلى اللّه عليه و سلم): رويفع؟ فقلت: لبيك، قال: من هؤلاء القوم؟ قلت: قومي يا رسول اللّه، قال: مرحبا بك و بقومك. قلت: يا رسول اللّه قدموا وافدين عليك مقرّين بالإسلام و هم على من وراءهم من قومهم، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «من يرد اللّه به خيرا يهديه للإسلام» فتقدم شيخ الوفد أبو الضبيب فجلس بين يدي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فقال: يا رسول اللّه إنا وفدنا إليك لنصدّقك، و نشهد أنك نبي حق، و نخلع ما كنا نعبد و كان يعبد آباؤنا، فقال (صلى اللّه عليه و سلم): الحمد للّه الذي هداكم للإسلام، فكل من مات على غير الإسلام فهو في النار انتهى. و قال له أبو الضبيب: يا رسول اللّه إن لي رغبة في الضيافة، فهل لي في ذلك أجر؟ قال: نعم، و كل معروف صنعته إلى غنيّ أو فقير فهو صدقة، فقال: يا رسول اللّه ما وقت الضيافة؟ قال: ثلاثة أيام فما بعد ذلك صدقة، و لا يحل للضيف أن يقيم عندك فيحرجك: أي يضيق عليك، أي و في لفظ:
فيؤثمك: أي يعرضك للإثم: أي تتكلم بسيّئ القول، قال: يا رسول اللّه أ رأيت الضالة من الغنم أجدها في الفلاة من الأرض؟ قال: هي لك، أو لأخيك، أو للذئب. قال: فالبعير؟ قال: ما لك و له؟ دعه يجده صاحبه. قال رويفع: ثم قاموا فرجعوا إلى منزلي، فإذا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يأتي منزلي يحمل تمرا، فقال: استعن بهذا التمر، فكانوا يأكلون منه و من غيره، فأقاموا ثلاثة أيام، ثم ودعوا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و أجازهم و رجعوا إلى بلادهم.