السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٦٩ - غزوة الطائف
وسع العالمين علما و حلما* * * فهو بحر لم تعيه الأعباء
أي آذاه (صلى اللّه عليه و سلم) قومه من قريش و غيرهم فأرخى جفنه حياء، و صاحب عدم الانتقام شأنه إرخاء الجفن. وسع علمه علوم العالمين من الإنس و الجن و الملك، و وسع حلمه كل من صدر منه نقص، فهو بسبب ذلك بحر واسع لم تتعبه الأحمال الثقيلة.
و من جملة من جرح سيدنا عبد اللّه بن أبي بكر الصديق رضي اللّه تعالى عنهما رماه بسهم أبو محجن، و طاوله ذلك الجرح إلى أن مات به في خلافة أبيه، ورثته زوجته عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل، و كان يحبها حبا شديدا مرّ عليه أبوه يوم جمعة و هو يلاعبها و قد صلى الناس، فقال عبد اللّه: أو جمع الناس؟ فسمعه أبوه، فقال: أ شغلتك عن الصلاة؟ لا جرم لا تبرحن حتى تطلقها فطلقها، ثم تعب عبد اللّه بسبب طلاقها فاطلع عليه أبوه يوما فسمعه يقول أبياتا من جملتها:
فلم أرى مثلي طلق اليوم مثلها* * * و لا مثلها في غير جرم تطلق
فقال له: يا عبد اللّه راجع عاتكة، فقال لأبيه: قف بمكانك، و كان معه غلام مملوك له، فقال للغلام: أنت حر لوجه اللّه، اشهدا أني قد راجعت عاتكة، فلما مات رضي اللّه تعالى عنه رثته بقولها في أبيات:
آليت لا تنفك عيني حزينة* * * عليك و لا ينفك جلدي أغبرا
ثم تزوجها عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه، فلما أعرس بها، قال له علي (كرم اللّه وجهه): أ تأذن لي أن أكلم عاتكة، فقال: لا غيرة عليك كلمها، فقال لها علي (كرم اللّه وجهه): أنت القائلة البيت:
آليت لا تنفك عيني قريرة* * * عليك و لا ينفك جلدي أصفرا
قالت: لم أقل هكذا، و بكت و عادت إلى حزنها، فقال له رضي اللّه تعالى عنه: يا أبا الحسن ما أردت إلا إفسادها عليّ، فلما قتل عمر رضي اللّه تعالى رثته بأبيات منها:
من لنفس عادها أحزانها* * * و لعين شفها طول السهد
جسد لفف في أكفانه* * * رحمة اللّه على ذاك الجسد
ثم تزوجها الزبير رضي اللّه تعالى عنه، فلما قتل رثته بأبيات منها تخاطب قاتله:
ثكلتك أمك إن قتلت لمسلما* * * حلت عليك عقوبة المتعمد
ثم خطبها سيدنا علي (كرم اللّه وجهه)، فقالت له: لم يبق للإسلام غيرك و أنا أنفس لك عن القتل، و من ثم قيل في حقها: من أراد الشهادة فعليه بعاتكة.