السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٢٥ - باب يذكر فيه ما يتعلق بالوفود التي وفدت عليه
خرجنا نؤم المسجد حتى انتهينا إلى بابه، فنجد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يصلي على جنازة في المسجد، أي و هو سهيل ابن البيضاء، لأنه (صلى اللّه عليه و سلم) لم يصل في مسجده على جنازة إلا عليه رضي اللّه تعالى عنه. و ما وقع له في مسلم أنه (صلى اللّه عليه و سلم) صلى فيه على سهيل و أخيه نظر فيه مع أن فقهاءنا ذكروه و أقروه، فقمنا خلفه ناحية و لم ندخل مع الناس في صلاتهم. و قلنا حتى يصلي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و نبايعه.
ثم انصرف رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فنظر إلينا، فدعا بنا فقال: ممن أنتم؟ فقلنا:
من بني سعد هذيم، فقال: أ مسلمون أنتم؟ قلنا: نعم، فقال: هلا صليتم على أخيكم؟ قلنا: يا رسول اللّه ظننا أن ذلك لا يجوز لنا حتى نبايعك، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): أيما أسلمتم فأنتم مسلمون قال: فأسلمنا و بايعنا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بأيدينا على الإسلام، ثم انصرفنا إلى رحالنا و قد كنا خلفنا عليها أصغرنا، فبعث رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في طلبنا، فأتى بنا إليه، فتقدم صاحبنا فبايعه (صلى اللّه عليه و سلم) على الإسلام. فقلنا: يا رسول اللّه إنه أصغرنا، و أنه خادمنا فقال (صلى اللّه عليه و سلم) «سيد القوم خادمهم، بارك اللّه عليه» قال النعمان رضي اللّه تعالى عنه: فكان و اللّه خيرنا و أقرأنا للقرآن لدعاء رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) له، ثم أمره رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) علينا فكان يؤمنا فلما أردنا الانصراف أمر (صلى اللّه عليه و سلم) بلالا فأجازنا بأواق من فضة، لكل رجل منا، فرجعنا إلى قومنا.
و منها وفد بني فزارة. وفد عليه (صلى اللّه عليه و سلم) بضعة عشر رجلا من بني فزارة فيهم خارجة بن حصن أخو عيينة بن حصن و ابن أخيه الجد بن قيس بن حصن و هو أصغرهم مقرين بالإسلام و هم مسنتون: أي توالى عليهم الجدب على ركائب عجاف: أي هزال، فسألهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عن بلادهم؟ فقال رجل منهم: أي و هو خارجة: أسنتت بلادنا، و هلكت مواشينا، و أجدب جنابنا: أي ما حولنا و غرثت أي جاعت عيالنا فادع لنا ربك يغيثنا، و اشفع لنا إلى ربك، و ليشفع لنا ربك إليك فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «سبحان اللّه ويلك يا هذا أنا أشفع إلى ربي عز و جل، فمن ذا الذي يشفع ربنا إليه! لا إله إلا هو العلي العظيم، وسع كرسيه: أي علمه، كذا قيل. و قيل موضع قدميه السموات و الأرض: أي أحاط بالسماوات و الأرض، و هو دون العرش كما جاءت الآثار، فهي تئط: أي تصوت من عظمته و جلاله كما يئط الرحل بالحاء المهملة» الحديث: أي من ثقل الحمل.
و قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) «إن اللّه ليضحك من شغفكم و أزلكم: أي شدة ضيقكم و جدبكم، و قرب غياثكم، فقال الأعرابي: لن نعدم من رب يضحك خيرا، فضحك رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من قوله، و صعد (صلى اللّه عليه و سلم) المنبر فتكلم بكلمات، و كان لا يرفع يديه: أي الرفع البالغ في شيء من الدعاء إلا في الاستسقاء، فرفع (صلى اللّه عليه و سلم) يديه حتى رئي بياض إبطيه. أي و في النور: و قد جوزت وجها و هو أنه عليه الصلاة و السلام كان يرفع يديه