السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١١٣ - فتح مكة شرفها اللّه تعالى
سفيان، أي و كان أبو سفيان صديقا للعباس و نديمه، قال العباس، فقلت: يا أبا حنظلة فعرف صوتي، فقال: أبو الفضل؟ فقلت نعم، قال: ما لك فداك أبي و أمي؟
قلت: و اللّه هذا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في الناس قد جاءكم بما لا قبل لكم به، أي و في رواية: قد جاءكم بعشرة آلاف، فقال: و اصباح قريش و اللّه فما الحيلة فداك أبي و أمي؟ قلت: و اللّه لئن ظفر بك ليضربن عنقك، فاركب في عجز هذه البغلة حتى آتيك رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فأستأمنه لك، فركب خلفي، أي و رجع صاحباه، فجئت به كلما مررت بنار من نيران المسلمين قالوا من هذا؟ و إذا رأوا بغلة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و أنا عليها، قالوا: عم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) على بغلته حتى مررت بنار عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، فقال: من هذا؟ و قام إليّ، فلما رأى أبا سفيان على عجز الدابة، قال أبو سفيان عدوّ اللّه، الحمد للّه الذي قد أمكن منك من غير عقد و لا عهد، ثم خرج يشتد نحو رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فركضت البغلة فسبقته فاقتحمته عن البغلة، فدخلت على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و دخل عليه عمر في أثري، فقال: يا رسول اللّه هذا أبو سفيان، أي عدوّ اللّه قد أمكن اللّه منه من غير عقد و لا عهد، فدعني لأضرب عنقه، قال: قلت يا رسول اللّه إني قد أجرته. و لعل العباس و عمر رضي اللّه عنهما لم يبلغهما قوله (صلى اللّه عليه و سلم) إنكم لاقون بعضهم. فإن لقيتم أبا سفيان فلا تقتلوه إن صح.
قال العباس رضي اللّه عنه: ثم جلست إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فأخذت برأسه فقلت: و اللّه لا يناجيه الليلة رجل دوني، فلما أكد عمر في شأنه، قلت: مهلا يا عمر، فو اللّه لو كان من رجال بني عديّ بن كعب ما قلت مثل هذا، أي و لكنك قد عرفت أنه من رجال عبد مناف، قال: مهلا يا عباس، فو اللّه لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إليّ من إسلام الخطاب لو أسلم، و ما بي إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من إسلام الخطاب لو أسلم، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم):
«اذهب به يا عباس إلى رحلك، فإذا أصبحت فأتني به».
و في البخاري أن الحرس ظفروا بأبي سفيان و من معه و جاءوا بهم إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فأسلموا.
و جمع بعضهم بأنه يجوز أن يكون العباس أخذهم من الحرس، أي و يؤيده قول ابن عقبة (رحمه اللّه) لما دخل الحرس بأبي سفيان و صاحبيه لقيهم العباس بن عبد المطلب فأجارهم، أي و أتي بأبي سفيان و تأخر صاحباه، قال و في لفظ: أخذهم نفر من الأنصار بعثهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عيونا فأخذوا بخطم أبعرتهم، فقالوا: من أنتم؟
قالوا: نحن أصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و ها هو، فقال أبو سفيان: هل سمعتم بمثل هذا الجيش نزلوا على أكباد قوم لم يعلموا بهم، فجاؤوا بهم إلى عمر رضي اللّه تعالى عنه، أي لأنه كان في تلك الليلة على الحرس كما تقدم، فقالوا: جئناك بنفر من أهل